لا يمكن فهم الخيارات العسكرية بين إسرائيل وإيران، وما نشهده من حرب محدودة وضربات عسكرية متبادلة، إلا من منظور تحوّلات القوة التي تشهدها المنطقة، أو ما يعرف بالعقدة الأمنية، أو عقدة ثيوسيديدس، ورغبة إيران في امتلاك برنامج نووي من ناحية، ومن منظور كيف ترى إسرائيل أمنها وحدود هذا الأمن؟
صحيح أن لكل دولة أمنها ومصالحها القومية، وهي أساس سلوكها السياسي، ما يفسر لنا لماذا الصراعات والحروب. لكن الأمر بالنسبة لإسرائيل يختلف عن بقية الدول الأخرى. ذلك أن إسرائيل تقدم أنموذجاً فريداً في العلاقات بين الدول.
الأساس بالنسبة لإسرائيل هو الأمن الذى يجبّ أيّ اعتبار آخر حتى السلام، ثم إنها قامت بالقوة والسيطرة، واستمرار الاحتلال، ورفضها لفكرة الدولة الفلسطينية أو فكرة حل الدولتين. كذلك هي قامت بفعل القوى الإستعمارية في حينها، في أهم منطقة استراتيجية في العالم، كي تقوم بدور الوكيل عنها كما دورها اليوم في علاقاتها بأمريكا، لكن إسرائيل أيضاً تبقى لها رؤيتها ومصالحها، وتحلم بقيام إسرائيل الكبرى في المنطقة، ما يعني الحيلولة دون قيام أية دولة تمتلك أية قوة استراتيجية، فما بالنا بالقوة النووية التي تعني تقليص حدود الأمن الإسرائيلي.
والمسألة المهمة هنا، أن إسرائيل، أو فلسطين أصلاً، دولة صغيرة من منظور المساحة الجغرافية، فمساحتها الإجمالية تقارب ال27 ألف كيلو متر مربع، بعمق قليل، ولهذا دلالات استراتجية عميقىة، والتعويض عن ذلك هو امتلاك القوة النووية، واحتكارها، ومنع أيّ دولة من دول الإقليم إمتلاكها من، وهذا ينطبق على إيران، وغيرها.
فإسرائيل قامت على القوة المسلحة والحرب، ففي حرب 1948 أضافت ما يقارب 25 في المئة من مساحة فلسطين، أو المساحة التي خصصتها الأمم المتحدة بقرار التقسيم رقم 181، ثم في حرب 1967 ضمت كل فلسطين، وأخضعت شعبها للإحتلال، وها هي حرب غزة المتواصلة تهدف إلى وأد القضية، وتهجير شعبها.
إن إسرائيل تعمل جهدها لتجريد المنطقة من كل سلاح استراتيجي يمكن أن يشكّل تهديداً لأمنها، لذلك هي تخوض أكثر من حرب على مختلف الجبهات، بدءاً من غزة، إلى الضفة الغربية، وإيران، وجنوب لبنان، وسوريا.
إن إعلان نتنياهو عزمه على اسقاط النظام الإيرانى، ورفض قيام الدولة الفلسطينية بأيّ شكل من الأشكال، يعني أن العامل الأمني سيبقى هاجس إسرائيل الدائم في كل علاقاتها، العربية والإقليمية، ما يفسر لنا رفضها القاطع للدولة الفلسطينية لأنه يهزمها أمنياً، لأنها من الدول التي تعيش على التمدد الأمني، ولو تخيلنا تقوقعها داخل مساحة صغيرة محاطة بالدولة الفلسطينية فهذا يعني بالنسبة إليها سقوط وهم إسرائيل الكبرى، القوية والمهيمنة. ولذلك، فحدودها ورؤيتها لأمنها لا حدود لها، وكما قيل أحلام إسرائيل أطول من حدودها.
لذلك هي لا تعترف بالأمن العربي، ولا بأمن أيّ دولة عربية، وهذا ما قاله نتنياهو بعد الهجوم على إيران، باعتبار أن أمن إسرائيل يأتي أولاً وأخيراً، لذلك ترى أن من حقها وحدها فقط، أن تكون دولة القوة الوحيدة فى المنطقة، وسلامها سلام القوة وليس قوة السلام. ووفقاً لهذه الرؤية هي الدولة الوحيدة التي لها حق استخدام القوة في أيّ زمان ومكان، ومنع أي دولة من امتلاك عناصر القوة التي قد تخل بموازين القوة لغير مصلحتها.
في هذا السياق، يمكن فهم حالة الحرب، مع إيران ومع غيرها. إسرائيل قامت على القوة، ولا تعترف بقوة الشرعية، أنها في وسط إقليم جغرافي ليس منها، وهنا المعادلة تكون بالتحكم في الواقع الجيوسياسي من خلال القوة، والتفوق، واحتكار السلاح النووي. وإن كان لهذا من دلالة فهو استمرار حالة الحرب والصراع في المنطقة.
