زمان، ونحن صغار، كنا ننتظر عرض السيرك على التلفزيون كل أسبوع، وحين نسمع أنه سيأتي إلى مدينتنا، نتحمس للذهاب إليه، فقد حضرت السيرك أكثر من مرة، وأتذكر الألعاب الخطرة، والحركات البهلوانية، والحيوانات المفترسة، والمهرجين الذين يضحكوننا بين الفقرات، كنا نستمتع بالعرض، ثم نعود إلى بيوتنا والسعادة تغمرنا، ولم أتخيل يوماً أن يصبح العالم بأكمله أشبه بسيرك كبير.
اليوم، ومع انتشار شبكات التواصل، أصبح السيرك معنا أينما ذهبنا، نشاهده في أي وقت ومن دون تذاكر دخول، وإذا تأملنا ما يعرض أمامنا، سنجد فقرات السيرك القديم وزيادة، ونجد أشخاصاً يخاطرون بحياتهم من أجل المشاهدات، وآخرين يتعمدون إثارة الجدل، ومن يستعرض حياته الخاصة، ومن يحول مشكلاته العائلية إلى حلقات ينتظرها المتابعون.
لكن ما لفت انتباهي أن السيرك القديم كان فيه مؤدون وجمهور، وكل طرف يعرف دوره، أما اليوم، فقد أصبح المتفرج يقلد المؤدي، يكفي أن يشتهر شخص بتصرف غريب حتى نجد العشرات يقلدونه، أو ينجح مقلب حتى تنتشر نسخه، وأصبح هَمّ البعض إثارة الانتباه بأي ثمن، وكأن الشهرة تحولت إلى غاية بحد ذاتها، لا وسيلة لتقديم قيمة.
والغريب أننا نساهم باستمرار في هذه الظاهرة حتى ونحن ننتقدها، نشاهد مقطعاً لا يعجبنا فنعيد نشره ونعلق عليه مستنكرين، ثم نستغرب من شهرة صاحبه، والحقيقة أننا ساعدناه على الانتشار، فالمنصات لا تميز دائماً بين التفاعل بدافع الإعجاب والتفاعل بدافع الاستنكار، فكلاهما قد يساهم في زيادة انتشار المحتوى.
وفي هذا السيرك، يوجد مدير خفي لا نراه، وهو الخوارزمية التي تتابع اهتماماتنا وتقدم لنا المزيد مما نتوقف عنده، وأصحاب المحتوى يراقبون المشاهدات فيكررون ما يحقق الانتشار ويبالغون فيه، حتى أصبحنا ندور في حلقة يغذي فيها كل طرف الآخر.
لا أنكر ما قدمته وسائل التواصل من فوائد، فأنا أحد الذين يستخدمونها ويستفيدون منها، لكن المشكلة تبدأ حين نسمح لما نشاهده بأن يوجه تصرفاتنا، أو حين تصبح حياتنا مجرد عرض مستمر لجذب انتباه الآخرين.
في السيرك القديم، كان المهرج يؤدي دوره أمام الجمهور، ثم يخلع ملابسه التنكرية ويعود إلى حياته الطبيعية، أما اليوم، فقد أصبح البعض يحول حياته كلها إلى عرض مستمر، حتى لم يعد هناك فاصل بين حياته الخاصة وما يقدمه للجمهور.
زمان، كنا ندفع ثمن التذكرة لندخل السيرك، ثم نغادر عندما ينتهي العرض، أما اليوم، فالسيرك مجاني ولا ينتهي، وندفع ثمنه من وقتنا وراحتنا وخصوصيتنا.
ولهذا أعتقد أن السؤال لم يعد عن المهرجين الذين نشاهدهم على الشاشات، بل عن أنفسنا هل ما زلنا متفرجين، أم أننا، من دون أن نشعر، أصبحنا جزءاً من عروضه؟
