الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أجيال ترتدي الهوية

4 أكتوبر 2026 00:56 صباحًا | آخر تحديث: 4 أكتوبر 00:56 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
«أنا أبشرج متمسك بالطربوش والعصا والخزام».. كلمات جازمة، محمّلة بالاعتزاز بعبق التاريخ ورمزية الأصالة، قالها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، فتحولت إلى رسالة عميقة وجدت صداها في أرجاء المجتمع الإماراتي. فلم تكن المقولة مجرد تعبير عن التمسك بالموروث الشعبي، بقدر ما جاءت لتؤكد أن الحداثة والتقدم لا يعنيان بحال من الأحوال التخلي عن الجذور والثوابت التي شكّلت ملامح الشخصية الإماراتية.
وهذا الفكر لم يبقَ في إطار الكلمات، بل تجسّد عملياً في مبادرات عدة أطلقتها الجهات الحكومية، من بينها المبادرة التي أطلقتها وزارة تنمية المجتمع قبل عامين لتعزيز الوعي بالزي الإماراتي، ودعت أفراد المجتمع إلى المحافظة عليه، وأبرزت «الغترة» على رؤوس الشباب تحت شعار «لا تطلع حاسر»، تأكيداً لأهمية الحفاظ على هذا المظهر التقليدي بوصفه جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية، ومظهراً يعكس قيم الحشمة والوقار المستمدة من تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف.
فالعبارة الشعبية «لا تطلع حاسر»، أي لا تخرج مكشوف الرأس من دون غترة أو عمامة، تختزن أدبيات السلوك الإماراتي الأصيل؛ إذ كان ولا يزال تغطية الرأس رمزاً للوقار والرزانة. ولأن المدرسة هي الغراس الأول للقيم، فقد التقطت المدارس الحكومية هذا المعنى من خلال تخصيص يوم الجمعة من كل أسبوع لارتداء الطلبة الملابس التقليدية، لتتحول هذه الممارسة إلى مساحة يفتخر فيها الجيل الجديد بموروثه وهويته.
وأصبحت مفردات مثل «الخزام»، المصنوع من خيوط الصوف والذي يُربط فوق الغترة أو العمامة لتثبيتها، وغالباً ما ينتهي بقطعة فضية، حاضرة في أذهان الصغار قبل الشباب، لا سيما خلال المناسبات والفعاليات المدرسية التراثية، بعدما كانت بعض هذه المفردات غائبة عن معرفة الكثير منهم.
ومكمن الجمال في هذه الثقافة أنها لا تقف في وجه الحداثة، بل تتسع لها. فنرى شباباً اليوم يحافظون على «الهيبة الإماراتية» بارتداء الغترة في المناسبات وعلى هامش المنافسات الرياضية والأنشطة المختلفة، ليؤكدوا أن المعاصرة، سواء في الرياضة أو العمل أو أسلوب الحياة، لا تتناقض مع الوفاء للأصل.
وتتكامل هذه الممارسات مع تشجيع الوفود الشبابية والرياضية في المحافل الدولية على الظهور بالزي الوطني في حفلات الافتتاح، بما يقدّم صورة حضارية مشرّفة للهوية الإماراتية أمام العالم، ويمنح الأجيال فرصة للتعبير عن انتمائها بلغتها البصرية الخاصة.
فالملابس التقليدية، للشباب والشابات، ليست مجرد مظهر خارجي، وإنما لغة بصرية ناطقة بالأصالة، تحمل إلى الحاضر ملامح الأمس، وتقول بوضوح إن الإمارات، وهي تمضي بخطى حثيثة نحو المستقبل، لا تنظر إلى ماضيها بوصفه زمناً مضى، بل تحمله معها بكل فخر واعتزاز.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة