الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الخبير الذي لا يُستشار

5 أكتوبر 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 5 أكتوبر 00:02 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
كنت أقدّم عرضاً لمشروع في إحدى المؤسسات، ولاحظت أثناء النقاش وجود خبير أجنبي يشارك برأيه. استوقفني الأمر، لأن المسألة لم تكن تحتاج، في تقديري، إلى هذا القدر من الاستعانة بخبير خارجي. بعد الاجتماع تحدثت مع صديق يعمل في الإدارة، فقال إن بعض أصحاب الخبرة المواطنين، رغم سنوات العمل الطويلة، لا يظهرون دائماً الجدية أو الكفاءة التي تتطلبها بعض المؤسسات.
بقي كلامه معي. وربما كان محقّاً جزئياً؛ فسنوات العمل الطويلة لا تعني تلقائياً الكفاءة. قد يملك شخص ثلاثين سنة خبرة في سجله، لكنه لم يطور نفسه فعلياً، فتكون خبرته تكراراً لعام واحد امتد ثلاثة عقود.
لكن التفسير لم يكن كافياً بالنسبة لي؛ فإذا كان تهميش الخبير المحلي سببه تقادم أدواته أو تقدمه في العمر، فلماذا نجد أحياناً خبيراً أجنبياً في العمر نفسه، وربما أكبر منه، يحظى بالتقدير والاستشارة؟
ربما كنت أسأل السؤال الخطأ. ليس: من هو الخبير الأفضل؟ بل: الأفضل في ماذا؟ فالخبير لا يكون خبيراً في كل شيء. قد يعرف مجتمعاً أو مؤسسة أو طبيعة ناس عاش بينهم سنوات، لكنه لا يكون بالضرورة الأنسب لكل مهمة. وقد يأتي خبير من الخارج بتجربة دولية مهمة، لكنه لا يعرف البيئة المحلية بالعمق نفسه.
نخطئ حين نحول كلمة «خبير» إلى ترتيب بين الناس. الأدق أن نسأل: ما الخبرة التي تحتاج إليها هذه المشكلة تحديداً؟ فقد يكون الشخص ممتازاً، لكن في المسألة الخطأ.
وأحياناً تكون المشكلة في الإدارة نفسها؛ فقد يميل مدير لا يملك معرفة عميقة بتفاصيل العمل إلى تقدير الخبير القادم من الخارج أكثر مما يستحق، خصوصاً إذا كان يعرف كيف يقدم رأيه بطريقة مريحة، ويتجنب الاصطدام، ويمنح الإدارة ما يطمئنها.
أما الخبير المحلي، فبحكم معرفته الطويلة بالمؤسسة وأهلها، قد يكون أكثر صراحة وأقل مجاملة. يعرف أين الخلل، وما الذي جُرّب من قبل ولم ينجح، وقد يقول ما لا يرغب المدير في سماعه، فيصبح أحياناً أقل راحة، لا أقل معرفة. وهذه مفارقة تستحق الانتباه، لأن الاستشارة يفترض أن تبحث عما ينقص القرار، لا عما يؤكده.
وقد لا يكون الخبير الذي لا يُستشار أقل كفاءة، بل أكثر قدرة على قول ما لا يريد أحد سماعه.
ولا يعني هذا أن الخبير المحلي محق دائماً، أو أن سنواته تمنحه حصانة. عليه أن يطور نفسه ويعرف متى يتعلم من غيره. والمؤسسة أيضاً عليها أن تبحث عن الخبرة التي تحتاج إليها فعلاً، لا عن اللقب، ولا عن السيرة الأطول، ولا عن الصوت الأكثر راحة، فحين نختار من نستشيره، هل نبحث فعلاً عن الأكفأ، أم عمّن يقول لنا ما نرتاح إلى سماعه؟.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة