في ولاية أريزونا الأمريكية، توجد حديقة الغابة المتحجرة التي تشهد زيارات كثيفة من الناس، لكنّ إدارة الحديقة والقائمين عليها كانوا يعانون مشكلة، وهي أن الزوّار يأخذون قطعاً صغيرة من الخشب المتحجّر معهم تذكاراً. ومع تزايد أعداد الزيارات وتزايد أخذ هذا النوع من الخشب، ظهر أن خسارة هذا الخشب تُقَدَّر بالأطنان، فقرر مسؤولو الحديقة وضع لافتاتٍ تنبّه الزوّار إلى حجم المشكلة، لكن المشكلة لم تُحَلّ، بل على العكس زاد عدد من يأخذون قطع الخشب المتحجرة، حتى جاء فريق بحثي بقيادة عالم النفس روبرت سيالديني الذي درس المشكلة، وكانت أول ملاحظة له على اللافتة وما تحمله من تنبيه للزوار، حيث تقول: «إن كثيراً من الزوّار السابقين أخذوا قطعاً من الخشب... إلخ».
ومع هذا، فإن أخذ قطع الخشب تضاعف من الزوار لما يقارب ثلاثة أضعاف ما كان عليه عندما لم تكن هناك لوحة تنبيه. وقد اقترح الفريق العلمي وضع لوحة أبسط وأقصر، دون ذكر رقم ولا إحصاء، وتنص على: «من فضلك لا تأخذ الخشب المتحجر». وعندها انخفض أخذ الخشب المتحجر من الزوار إلى أقل من 2%. وما تَمَّ كشفه في هذا البحث العلمي «أن اللافتة الأولى، وهي تُنذر وتنبه، كانت في الحقيقة تُخبر الزائر بأن هذا ما يفعله الناس، ومن عرف أن الجميع يفعلون شيئاً، هان عليه أن يفعله».
ولعل هذا هو الخطأ، أو قريب منه، الذي يتكرر في حملاتنا التوعوية، حيث يتم افتتاح الحملة بحجم المشكلة، ونعتقد أن الأرقام التي نذكرها ونسوقها في الحملة ستخيف الآخرين وتكون رادعة لهم، والحقيقة أنها قد تكون مطمئنة لهم، لأنها تظهر وكأنها رسالة للمتلقي: «أنت في تجاوزك لست الوحيد، أو أنت مثل الأكثرية».
ومن هنا تفقد الحملة التوعوية جوهرها ورسالتها ومعناها. وهناك مشكلة أخرى ولعلها الأساس الذي قامت عليه الحملة التوعوية، فهي تفترض أن الناس لا يفعلون الصواب لأنهم لا يعرفونه، وفي معظم الحالات هذا الافتراض غير صحيح، مثل الذي يدخن، هو يعرف أنه مضر لصحته، ومن لا يربط حزام الأمان، هو يدرك أنه لا يتقيد بالسلامة، وغيرها من الممارسات.
ويبقى أن الخطأ هنا لم يكن فيمن وضع اللافتة، ولا في القائمين على الحملة التوعوية، فالنية لديهم هي الفائدة والقيام بواجبهم تجاه مجتمعاتهم، إنما الخلل في أننا نصمّم الرسالة بما نودّ قوله، لا بما يستطيع الناس فعله.
