قلت للقلم: ما المقصود من قولك أمس: «الباحثون لا يربطون الموسيقى بالعلوم الاجتماعية والسياسية»؟قال: فرصة طيبة. الموسيقى النصيحة. من الكتب ما يظل على مرّ السنين مدرسةً في علاقة الموسيقى بالتاريخ والحضارة والثقافة والمعتقدات. سنة 1938 صدر عن النشر الجامعي في هارفارد، كتاب للمؤلف الموسيقي وعالم الموسيقى هوجو لايختنتريت، عنوانه بالإنجليزية: «الموسيقى، التاريخ والأفكار»، تُرجم في مصر وطبع مرتين، الأولى سنة 1964، تحت عنوان: «الموسيقى والحضارة»، إلى اليوم ظل يتيمة دهره. يفتقر العرب إلى هذا المستوى في شأن موسيقانا وتحليلها التاريخي، وعلاقاتها بالمجتمعات والإثنيات والمذاهب والفرق الصوفية وغيرها. الباحثون الجادّون يستكثرونها على العصف المسموع.
قلت: ويحك، أضعت الليل في دوزنة العود. قال: يجب أن يكون الأساس متيناً. هل يعي المشتغلون بالموسيقى لماذا هذا التردي؟ الإبداع لا يشتغل من دون بطارية، يحتاج إلى مولدات طاقة. أنت واهم، تريد من الشبيبة التي يسفكون دم ذوقها بترهات «أركب الحنطور واتحنطر» أن تترك في الدنيا دويّاً: «أمماً شتى ولكنّ العلا.. جمعتنا أمّةً يوم الندا»؟ ألا يخجل العابثون بغثّ رثّ مثل «ركّبني المرجيحة»، بعد خمسة قرون من الموسيقى السيمفونية؟ أهذا كل ما تبقّى للعرب من الكرامة الإبداعية؟
المبدع جزء لا يتجزأ من الطبيعة، ولا يمكن أن يخرج كائن عن النظام الفيزيائي الكوني. المبدع يعمل بالطاقة. عندما تنخفض البطارية الغذائية إلى الصفر، يرحل. في النصف الأول من القرن العشرين كانت للشعوب العربية بوصلة هوية وإرادة وطموح. كانت مصر مركز جاذبية المنظومة، وكانت لكل بلد كوكبة ثقافية مبدعة متوقدة. كانت الأوساط الثقافية مولدة زعامات آداب وفنون، وكانت الجماهير تصطفّ، عندما ترى الهدف، حين تشع منارات الشرف، يتوهج الشعف، والشغف، والحشود تلتفّ، لا أحد يقول أفّ، أو يضرب كفّاً على كفّ، أو يضع قضيةً على الرفّ، كانت الأمّة أمّة فولاذ ليس بفخّارٍ يكسر بعضه بعضاً وخزف.
الآن، هل يعقل أن يلقى مئات الألوف من العرب حتفهم، في بلاد العُرْب أوطاني، ولا صوت يعلو فوق صوت المعتدي؟ وتروم أن تتجلى الموسيقى العربية صادحةً بالنافخات النحاسية؟ أفِق خفيف الظل، فكأنك في خلوة رومانسية مع «خبز وحشيش وقمر».
لزوم ما يلزم: النتيجة النظرية: إعادة النظر في الوسط الموسيقي من الجذور، فالموسيقيون غير موسيقيين. مع استثناءات طبعاً.
