الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

المقدمة إلى «ذاكرة العالم»

6 أكتوبر 2026 00:04 صباحًا | آخر تحديث: 6 أكتوبر 00:05 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
بعض الأفكار والكتب يمكن أن نطلق عليها وصف «عابرة للزمن» وذلك لأنك كلما عدت اليها بالقراءة والبحث تجد نفسك في مواجهة أسئلة جديدة تعيد تحريض فكرك وتفتح أمامك آفاقاً معرفية مختلفة، ولا شاهد على ذلك أفضل من «مقدمة ابن خلدون»، والتي أثيرت حولها العديد من النقاشات والمراجعات ولاتزال حتى اليوم موضع خلاف ودراسة وبحث.
ومع ترشيح المقدمة للإدراج ضمن سجل «ذاكرة العالم» التابع لليونسكو في ملف مشترك من تونس والجزائر ومصر وتركيا، نجدها مرة أخرى أمام اختبار آخر من اختبارات الزمن، بما يحمله هذا الترشيح من اعتراف بقيمة هذا النص وفكرته التي تجاوزت حدود بيئتها وعصرها، وبقيت قادرة على مخاطبة الحاضر بكل تعقيداته.
أكثر ما يستحق التأمل في مشروع ابن خلدون هو أنه نظر الى التاريخ بنظرة غير تقليدية، نظرة تجاوزت فكرة سرد الحكايات والأخبار إلى الانشغال في البحث عن تلك القوانين التي تجعل الأحداث ممكنة، فقد أراد ابن خلدون أن يعرف لماذا تنهض الدول وكيف تتماسك الجماعات، وما الذي قد يحدث حين تفقد المجتمعات أسباب قوتها، وبذلك أسس هذا المفكر الاجتماعي الفذ لمنهج بحثي ونقدي ينظر في التاريخ من زاوية جديدة، زاوية تنتقل من متابعة ورصد ما جرى إلى محاولة فهم «لماذا جرى».
قد يقول البعض إن بعض أحكام ابن خلدون عن العرب قاسية، وهذا في الواقع قراءة منقوصة تحجب جانباً أساسياً منها، حيث إن ابن خلدون كان يراقب حركة الاجتماع البشري بشكل عام، وكان الإنسان العربي في كتابه موضوعاً من موضوعات هذا الرصد، وجزءاً من مشروع نظريته سواء اتفقنا أم اختلفنا معها.
ومن هنا يمكن فهم سر بقاء المقدمة حاضرة في الدراسات الحديثة، إذ وجد فيها مفكرون عرب أمثال علي الوردي ومحمد عابد الجابري، مفاتيح تساعدهم على قراءة المجتمع العربي، كما حضرت أفكار ابن خلدون كجزء رئيسي في النقاشات الفكرية حول الدولة والسلطة والعمران، وحتى الاعتراضات عليها مثل قراءة طه حسين للمقدمة أسهمت في إبقائها داخل دائرة السؤال والبحث والنقاش رغم مرور نحو ستة قرون ونصف تقريباً على ولادتها.
مقدمة ابن خلدون مرشحة اليوم لسجل «ذاكرة العالم» لتدخل السجل كأثر فكري عربي، وأيضاً كوثيقة تنتمي إلى تاريخ التفكير الإنساني، وذاكرة العالم هنا ذاكرة الأفكار التي استطاعت أن تعبر من قرن الى قرن ومن ثقافة إلى ثقافة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة