الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الدولة الوطنية.. المقدس الحداثي

7 أكتوبر 2026 00:08 صباحًا | آخر تحديث: 7 أكتوبر 00:08 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
أعادت الدولة الوطنية الحديثة، المولودة من رحم معاهدة وستفاليا 1648م، صياغة العلاقة بين الأرض والشعب والسيادة، وأحالت الفرد من مجرد رعية لملك إقطاعي يستمد شرعيته من حق إلهي مقدس، إلى كونه مواطناً في دولة ذات سيادة. وهكذا احتلّ مفهوم الوطن، بما يعنيه من كلية الأرض وسيادة الشعب في حياة المواطنين، مكاناً قريباً من الإله لدى المتدينين. بالطبع يبقى الله هو المطلق الذي يقاس إليه كل ما هو نسبي، ولكن صار للوطن قبس من القداسة.
تلهمنا الوطنية عشقاً للأرض والناس كما يلهمنا الإيمان توقاً إلى السماء والغيب، ومثلما توجد صفات للإله الحق كالوحدانية والقدرة والرحمة، ثمة شروط للوطن الحق على رأسها توفير الأمن والحرية والعدالة. يسبغ الإله على العبد المؤمن رعايته، ويصبر على الفاسق حتى توبته، ولا يجعل من أحدهما وصياً على الآخر. وكذلك الدولة الوطنية، تحتضن جميع مواطنيها، تمنح للموهوب حرية المبادرة، وللعادي فرصة الحياة العادلة، وتمد على الضعيف سقوف حمايتها. وكما فرض الله الزكاة والصدقات كفالة للفقراء والمحتاجين، تفرض الدولة رسوماً وضرائب كفالة للمرضى والمعوزين.
تضع الأوطان دساتيرها بتوافق أغلبية مواطنيها، ليصبح دستور الوطن هو كتابه المقدس، يستلهمه في صنع القوانين، ويحتكم إليه في حل الخلافات، والويل لمن يهدره، لأن الخروج عليه هتك لروح الجماعة وعدوان على ضميرها، هرطقة سياسية تشبه الهرطقة الدينية. الأولى خيانة في الوطن والأخرى إلحاد في الله، وكلتاهما ترتب أشكالاً مختلفة من الحرمان الروحي أو الجسدي. وتختار الدول أعلاماً مشرعة لها، توازي مآذن المساجد، وقباب المعابد وأبراج الكنائس، ترتفع فوق كل مؤسساتها الكبرى، وتوضع في الشرفات وعلى السيارات، يتم التلويح بها في الأعياد الوطنية، وفي ذكرى الانتصارات العسكرية، وأحياناً الرياضية، وقد تُنكَّس تعبيراً عن الحزن والحداد. وتصنع الأوطان لنفسها أناشيد، وتضع لها موسيقى تشنف الآذان وتثير الخشوع في جموع المواطنين الذين تهتز أبدانهم وقد تطفر دموعهم بعزف السلام الوطني، مثلما تتساقط دموع المؤمنين بسماع الترانيم الكنسية، والتراتيل القرآنية.
تبجل الشعوب مفكريها الذين يرسمون معالم شخصيتها، وتُخلد أدباءها وفنانيها الذين ينشدون الملاحم عن حكمتها وأمجادها، ومن ثم تصبح الأوطان أشبه بأساطير حية، تحمل أبعاداً خيالية وعاطفية بقدر ما تنطوي على حقائق تاريخية، يتجاور فيها أبطال الزمن القديم جداً، مع أبطال الزمن الحديث تماماً، بل يتعانقان مثل حبات لؤلؤ تنتظم في عقد واحد نفيس يزين جيد الوطن، يلهم الرجال ويثير الفخر لدى الشباب ويمنح المواليد الصغار أسماءهم، فأولئك الأبطال الكبار ممن تعيهم الذاكرة، هم الذين يحرسون التاريخ، ويمنحون المعنى، ويؤكدون على الهوية في زمن التيه ولحظات الخطر. وحتى الأبطال الذين لا تُعرف أسماؤهم، صار قبر الجندي المجهول علماً عليهم، يحُج إليه الناس في المناسبات المختلفة، امتناناً لهم وتقديراً لتضحياتهم، كما يحج المتدينون كل عام إلى البيت المقدس لإلههم.
صارت حدود الأوطان أيضاً مقدسة، تصاحب عبورها إجراءات دبلوماسية وقنصلية تشبه الطقوس والشعائر الدينية. فالحدود بين الدول علامات تُفتح على حرمة التراب، مثلما تُفتح أبواب البيوت على حرمات الساكنين، وتُفتح أغلفة الكتب المقدسة على الشرائع والقوانين. أما التفريط في تلك الحدود فقد أصبح عاراً لا يمحوه الزمان، يستفز نخوة الكهول قبل حماسة الشبان، كما أمست التضحية على مذبح الوطن كالشهادة في سبيل الله، فالوطن لا يكون وطناً إلا إذا صار بوتقة لمعنى يتجاوز جميع أفراده، مثلما يسمو الله على كل موجوداته، فالله خالق الكون والإنسان، والوطن رب أبنائه في كل زمان. ولذا يستعير المواطنون رغبتهم في التضحية ضد الأعداء من روحانية الجهاد لدى المؤمنين ضد الكفار، ويبني الوطنيون الأحرار تضامنهم المشترك حسب قدرتهم على تمثل التآلف الروحي بين جماعة المؤمنين، فمشاعر الأخوة في الله تشبه مشاعر الثائرين لأجل الوطن، يتضامن الثوار في إعادة بناء وطنهم بالصورة التي يحلمون بها بعد أن أرهقه المستبدون أو المحتلون، ويتضامن المؤمنون في الدفاع عن دينهم كي لا ينال منه الملحدون، أو يفسده المتطرفون.
ولكن يبقى التحذير واجباً هنا، فتقديس الوطن لا يمنح صك الإقصاء باسمه أو الاستعلاء على غيره من الأوطان كما يتصور المتطرف القومي. كما أن تقديس الإله لا يعني ممارسة الوصاية باسمه، أو العداء لإيمان الآخرين كما يفعل المتطرف الديني.
فالمبالغة في الوطنية تقود إلى شوفينية سياسية، مثلما تقود المبالغة في التدين إلى أصولية جهادية، يسعى كلاهما إلى قمع الروح الفردية والتحكم في الطبيعة الإنسانية.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة