يرتبط في أذهاننا فن الخط العربي بخطّاطين هم عادةً كبار في السن، وكأن الخط هو فن الشيخوخة أو حكمة الشيخوخة، لكن اتضح في الدورة الثانية عشرة لملتقى الشارقة للخط أن العمر ليس له علاقة بالخط، بل إن قائمة الخطاطين في هذه الدورة تقول إن الغالبية منهم هم من جيل الشباب في العشرينات والثلاثينات من أعمارهم، واختاروا دراسة الخط في مؤسسات أكاديمية وتعليمية موثوقة في أوطانهم، وبخاصة في البلدان الإسلامية وغير العربية.
تذهب الصورة النمطية للخط إلى استحضار الشخص الكهل، ذي اللحية والعمامة وحوله تلاميذ، وفي يده قصبة طويلة، وأمامه دواة حبر ورقاع من الورق والجلد، وهي صورة كرّستها في أذهاننا المسلسلات التلفزيونية التافهة، وأحياناً، تؤدي هذه الصورة المرئية في وسيلة إعلام واسعة الانتشار إلى خلق حاجز نفسي بين الخطاط وبين من يريد أن يتعلم الخط، لكن، ومرة ثانية، ها نحن في ملتقى الشارقة للخط أمام خطاطين شباب وخطاطات شابات تشع منهم حيوية أعمارهم وثقافتهم التنوّعية التجديدية.
في الملتقى شارك خطّاطون شباب ولدوا في التسعينات مثل السعودي عثمان أحمد العيسى (مواليد 1990)، والخطاط المصري عبد الفتاح طه يونس (1993)، والخطاطة التركية شيماء نور دوزنلي (1994)، والخطاط السوري سليمان خالد الإسماعيلي ( 1999)، والخطاط السوري بلال بصمة جي ( 1996).
شارك في الملتقى أيضاً خطاطون شباب وُلِدوا بعد عام 2000، أي أنهم في العشرين من أعمارهم مثل الخطاط الباكستاني محمد أبو بكر (مواليد 2004)، والخطاط الإندونيسي حارث مصطفى عبدالله (2003)، والخطاط العراقي حيدر علاء السياب ( 2001).
يذكر دائماً أن خط يد الإنسان يكبر معه أو مع تقدم جسده في السن، ولكنني أرى أن الخط لا يتقدم في العمر كالإنسان، بل يد الإنسان تفقد شيئاً من مرونتها في عملية الكتابة، وهي نقطة يمكن للخطاط أن يتغلّب عليها بالتمارين الخطية اليومية، ليحافظ الخطاط بذلك على حيوية ومرونة يده.
هكذا، إذاً، يد الخطاط الشاب أكثر مرونة وسرعة من يد الخطاط الستيني أو السبعيني أو الثمانيني، لكن بعيداً تماماً عن الخط وعمره وعمر اليد البشرية التي تصنع هذا الفن الراقي الجميل.. أقول بعيداً عن كل ذلك، يرتبط الخط بالروح وبالقلب وبالوجدان.
الأرواح لا تشيخ ولا تهرم ولا تتقدم في الزمن الساعاتي ولا الزمن الرمزي المعنوي، وهكذا أرى أن خط الابن والأب والجدّ والحفيد هو في النهاية خط اليد البشرية الطاهرة النقية النظيفة.
لكل يد ذاكرة، كما لكل يد هوية ولغة.
