الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

العزلة في زمن التواصل

8 أكتوبر 2026 01:11 صباحًا | آخر تحديث: 8 أكتوبر 01:11 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
هل سألت نفسك كم شخصاً تستطيع أن تجلس أمامه من دون أن تحتاج إلى شاشة بينكما؟ هل نظرت إلى ما يعانيه أبناء اليوم من عزلة صامتة رغم كثرة اتصالهم وتواصلهم مع العالم الخارجي دون عناء التنقل والسفر؟
لدى شباب وأطفال اليوم الكثير من الأصدقاء، بل لديهم أعداد لم نعرفها في طفولتنا وشبابنا، لكن هل يجدون من يلجأون إليه وقت الحزن أو في أي محنة وحين يحتاجون إلى من يفهمهم ويقف بجانبهم ويتفهم أحاسيسهم ويكمل معهم طريق الصداقة الحقيقية؟
هم أبناء زمن لم تعرف البشرية له مثيلاً من قبل من حيث سرعة الاتصال، رسالة تصل في ثانية، صورة ومكالمة فيديو تلغي المسافات، وسائل توفر لهم سهولة نشر المعلومة أو التعبير عن الأفكار والانشغال بجمال الصورة والشكل.. ولكن هذا الانفتاح الشديد زاد الإنسان انغلاقاً على ذاته، وحوّله إلى كائن يستطيع التواصل مع العالم كله ويعجز عن التحدث مع أقرب الناس إليه، بل ربما لا يعلم شيئاً عن تفاصيل والديه وإخوته وبيته وعائلته وجيرانه.
مئات وآلاف المتابعين، ولا يجدون من يطرق بابهم حين يمرون بأزمة حقيقية، ولا يجدون من يسأل عنهم إذا اختفوا فجأة عن السوشيال ميديا وتجمدت صفحاتهم؛ حتى الوحدة تغير شكلها ومفهومها، فلم تعد تعني أن تكون وحيداً في غرفة، بل أن تكون محاطاً بالناس إنما لا يشعر أحد بما يحدث داخلك، ويصعب عليك شرح مكنوناتك أو حتى إرسال إشارات معاناتك النفسية.
لاحظ كيف أصبح من السهل على أبناء اليوم التواصل مع الآخرين بالكتابة، وكم يصعب عليهم إجراء مكالمة والتحدث مع زملائهم وأصدقائهم وحتى مع أهاليهم؛ يعبرون عن غضبهم وفرحهم بكلمات موجزة، وإذا طلبت منهم التحدث مباشرة مع الشخص المعني يهربون وتهرب منهم الكلمات، علماً أنهم صاروا أكثر معرفة وتحدثاً بلغات عدة من الأجيال السابقة؛ ومع دخول صديقهم الذكاء الاصطناعي على الخط، صار جموحهم نحو الوحدة أكبر، واستغنائهم عن طلب المساعدة من الآخر -أي الإنسان- أكبر وأسهل.
الأكيد أن المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، بل فينا، لأننا حولناها من أداة لخدمة الحياة إلى بديل عن الحياة نفسها. الكبار يستسلمون لفكرة «الجيل الجديد يفهم بوسائل التواصل الاجتماعي أكثر منا»، فلا يحاولون استمالة أبنائهم إلى الحياة الواقعية المليئة بالتواصل المباشر وتبادل الحوار والفضفضة والتسلية والضحك والترفيه عن النفس بعيداً عن الشاشات وكل التكنولوجيا الحديثة. تفاصيل صغيرة ننشط بها الروابط الإنسانيّة، نذكر فيها الأطفال والشباب بأهمية التواصل المباشر والحوار والنظر إلى الآخر، والتعبير عن الشكر أو الاعتذار، وأنه مازال للحضن الدافئ دور مهم ومفعول السحر على الإنسان.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة