هل ستغامر بالتصديق، أم تقامر بالتكذيب؟ على الرمال الفضية، في شاطئ الأحلام الفيروزي، لمحت ثلاثة فتيان، سبحان الله،كأنهم توائم، إلّا أن الهيئة وراءها أكمةٌ، عليك استشفافها واكتشافها. يسكن الثلاثة خيمةً صيفَ شتاء،لا يخيفهم مدّ وجزر، ولا يكترثون للعصيّ والجزَر. بمثقال ذرّة من الفراسة ورثتُها عن آباء في القرون الخالية، عرفت الأوّل، من وضعِه جُمْع يده تحت خدّه. جنابك تذكُر اللقطتين الشهيرتين لأحمد شوقي ومحمد إقبال. هو عاكف على التفكير، فلمَ لا يكون اسمه فكري مثل فكري أباظة؟ الثاني يفرك جبهته، فهو يقلّب رأياً معيّناً على وجوه شتى.ثالثهم واجه البحر،ولولا هدير تلاطم الأمواج،لاستبنتُ ما يقول، لكن بلا شك هو السيد تعبير. بالمناسبة،كان اليونانيون القدامى ينصحون من يروم المُكنة في الخطابة، بأن يقف أمام بحر هائج، ويتدرب على فن ترويض صخب الجمهور.
قلت: السلام على أهل الحريات الثلاث. أراكم هجرتم المدينة، ولُذتم بالساحل، هل تُرى ضاقت بكم رحابها، فقلتم: أرض الله واسعة؟ أم أنتم الذين لم تجدوا صدىً لمخارج أصواتكم،كأنكم عيدان بلا أوتار، ونايات بلا ثقوب. قالوا: نحن ثلاثي فكر ورأي وتعبير، يحسبنا الذين على نيّاتهم ثلاثةً، وما نحن كذلك. أمّا الفكر فلديه مصنع ينتج الأفكار، أحياناً كما يقول العرب القدامى، على غير مثال، وهذه تجليات نادرة وإبداع خالص، يتلقفها الرأي فتمرّ بمراحل اختبار لا تحصى، في معامل، على أيدي فئات شتى، اسألِ الحاسوب عنها والذكاء الاصطناعي.تلك الجهود تذهب سدىً سبهللا، لولا ثالثنا التعبير. عندما تنعدم حرية التعبير، تستوي الأخشاب والكمنجات.
قلت:حتى لا تصنّفوني في الأخشاب، لا يسعني الاعتراض على ثلاثي مثلكم، بل إنني سأجاري في الاستدلال، فمنذ القرن التاسع عشر إلى اليوم، لم نرَ في مدينة المضارب العربية أفكاراً نيّرةً تنويريةً، تلقفتها مختبرات الرأي ومعامله بالتحقيق والتحليل، ونشرتها في الأرجاء مكبّرات صوت التعبير، فعمّت الخريطة. في الفيزياء يمكن بمنتهى السهولة تفسير الأمر: موجات صوتية في بيئة لا هواء فيها. أمّا في محيط بشري لا تستطيع الأفكار الرائدة أن تنبت وتنمو فيه، فظاهرة مقلقة، لأنها غير طبيعية، وأضرارها لا حصر لها، لكن، اطمئنوا فلا تخلو مدينة من عقلاء، فهذه «شدة وتزول».
لزوم ما يلزم: النتيجة الجوهرية: لا يمكن إرساء قاعدة بنيوية توافقية توفيقية، من دون ذلك الثلاثي المستعصي.
