أثارت الحرب الأمريكية ضد إيران، وبشكل أكثر حدة من السنوات السابقة، سؤالاً حول مستقبل الهيمنة الأمريكية العالمية، ليس فقط بسبب تعثر واشنطن في تحقيق هدفها المعلن في إسقاط النظام الإيراني، والذي قد يظهر كنتيجة لازدياد قوة التحديات التي تواجه الهيمنة الأمريكية دولياً.
النقاش الدائر في الآونة الأخيرة، والذي يحتل مساحة واسعة إعلامياً وبحثياً، مرتبط بطبيعة الحال بمعطيات الصعود الصيني، لكن هذا النقاش لا يتأسس فقط على قدرة الصين على تقليص الفارق بين حجم إنتاجها وحجم إنتاج الولايات المتحدة، أو تقليص الفارق في المجالين التكنولوجي والعسكري، وإنما أيضاً على سؤال مرتبط بقدرة الولايات المتحدة على تحويل مواردها إلى نفوذ مستدام، والحفاظ على شبكة الشراكات والمؤسسات التي تمنح قوتها امتداداً عالمياً، خصوصاً مع تراكم المعطيات حول بحث عدد من الشركاء والحلفاء عن بدائل للنفوذ الأمريكي.
كان هنري كيسنجر (1923- 2023)، أبرز رجالات الدبلوماسية الأمريكية ومنظريها، يؤمن بأن إحدى مهام السياسة الأمريكية «تحويل القوة المهيمنة إلى مسؤولية مشتركة»، وهذه المهمة تواجه اليوم أربعة تحديات كبرى، فسلوك واشنطن في العامين الأخيرين، تحت قيادة الرئيس ترامب، دفع كبار حلفاء واشنطن التاريخيين إلى الشعور بعدم الثقة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، أوجدت الحرب الجمركية التي شنها الرئيس ترامب على الاتحاد الأوروبي، وما رافقها من تصريحات رسمية أمريكية تقلل من شأن السياسات الأوروبية، مناخاً من عدم اليقين بمتانة التحالف مع واشنطن، وضرورة وجود استراتيجية متدرجة للاستقلال عنها أمنياً وعسكرياً.
ويمكن إجمال التحديات التي تواجه مستقبل الهيمنة الأمريكية عالمياً بأربعة تحديات كبرى، يتمثل الأول في المكانة التي باتت تحتلها بكين في مجمل النظام الدولي، مع التداخل والتشابك بين المصالح الأمريكية والصينية، الأمر الذي يجعل من احتواء تنامي دور بكين عملية مكلفة من النواحي كافة، بل ومحفوفة بمخاطر كبيرة، خصوصاً مع توسّع هوة الثقة بين واشنطن والكثير من الأطراف التي أصبحت تنظر إلــى الدور الصيني كدور أساسي وحتمي في الاقتصـاد والتكنولوجيا وسلاسل التوريد والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى السياسات الهادئة التـــي تتبعها الصين على المستوى الدبلوماسي.
من هنا يبرز التحدي الثاني، المتعلق بالحلفاء الذين كانت شراكاتهم مع الولايات المتحدة إحدى أهم وسائل مضاعفة قوتها، فقد منحت هذه العلاقات واشنطن مواقـــع استراتيجيــة وأسواقاً وشبكات تعاون، وأتاحت توزيع أعباء القيادة، لكن قيمة هذه الشبكة تتوقف على اقتناع الشركاء بأن الارتباط بها يوفر الأمان وقدراً من الاستقرار، وأن اختلاف المصالح يمكن إدارته ضمن قواعد قابلة للتوقع.
لقد كرّست ولاية ترامب الأولى، ومن ثم الحالية، انطباعاً لدى معظم حلفاء واشنطن بأن الحليف الأمريكي أصبح متقلّباً في حساباته معهم، وأنه يدير سياساته يوماً بيوم.
ويبرز التحدي الثالث في الكلفة الاقتصادية للهيمنة، فالقيادة العالمية تحتاج إلى قاعدة تموّل الدفاع والابتكار والبنية التحتية والالتزامات الخارجية، وإلى وجود ثقة عالمية بالاقتصاد الأمريكي نفسه، لكن السنوات الأخيرة أظهرت تفاقم المشكلات الاقتصادية والمالية، فقد ارتفع الدين الأمريكي العام منذ ولاية ترامب الأولى لغاية شهر أغسطس/آب الماضي بمقدار يقارب الضعف، ووصل للمرة الأولى إلى أكثر من أربعين تريليون دولار.
أما التحدي الرابع، والذي قد يكون الأهم، فهو مرتبط بالداخل الأمريكي، فقد عاد الرئيس ترامب إلى ولاية ثانية، تحت شعاره الأساس «أمريكا أولاً»، والذي عكس رغبة متنامية في الانكفاء عن أدوار أساسية تاريخية لواشنطن نحو الداخل، والانسحاب التدريجي من التزامات يعدها مؤيدو هذا الشعار مرهقة ومقيدة، مثل التزامات واشنطن المالية تجاه مؤسسات الأمم المتحدة.
إن هذه التحديات الأربعة الكبرى تضع مستقبل الهيمنة الأمريكية موضع تساؤل جدي، لكنها أيضاً تضع النظام الدولي كله أمام سؤال عن مستقبل علاقات القوة داخله، ومدى قدرته على لجم الفوضى التي تنامت في السنوات الأخيرة، فتراجع القدرة الأمريكية على تنظيم العلاقات الدولية يفتح الباب أمام أسئلة جوهرية حول قدرة اللاعبين الدوليين والإقليميين على بلورة مبادرات من شأنها تقليل حجم الفوضى الدولية الناشئة عن تراجع مستوى الهيمنة الأمريكية.
