الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

البحر الأحمر.. أمنٌ لا يحتمل التجزئة

8 أكتوبر 2026 00:10 صباحًا | آخر تحديث: 8 أكتوبر 00:12 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لم يعد أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب قضية مرتبطة بتطورات اليمن وحدها، ولا ملفاً يمكن النظر إليه من زاوية العلاقات بين دولتين أو أكثر. فما يجري في هذا الممر البحري الاستراتيجي يضع المنطقة أمام معادلة أوسع، تتداخل فيها اعتبارات الأمن الوطني مع أمن الملاحة والتجارة والطاقة واستقرار سلاسل الإمداد؛ بما يجعل حماية البحر الأحمر مسؤولية إقليمية تتجاوز الحسابات الثنائية.
وفي هذا السياق، يكتسب التنسيق السعودي–الإماراتي أهمية واضحة، بحكم موقع الدولتين ومصالحهما المباشرة في أمن الخليج والبحر الأحمر، وبحكم تأثير التطورات في اليمن في أمن المنطقة. ولكنّ الأهم ألا يُنظر إلى هذا التنسيق باعتباره غاية في ذاته، وإنما باعتباره جزءاً من شبكة أوسع من التفاهمات التي تحتاج إليها المنطقة في هذه المرحلة.
فأمن باب المندب لا يبدأ من المضيق وحده، ولا ينتهي عند حدوده الجغرافية. وتكشف التطورات اليمنية الأخيرة ذلك بوضوح؛ فتهديد جماعة الحوثي الإرهابية الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن، وإعلانها فرض حصار على السفن المرتبطة بالسعودية، ثم توسع نفوذها على الساحل الغربي وسيطرتها على مواقع وجزر قريبة من مضيق باب المندب، أعادت التهديد البحري إلى صدارة المشهد. ومع تصاعد المواجهات في اليمن خلال الأسابيع الأخيرة، لم يعد الخطر يتمثل في استهداف سفينة أو تعطيل طريق ملاحي فحسب، بل في احتمال تحويل جنوب البحر الأحمر إلى مساحة ضغط مفتوحة على حركة التجارة والطاقة.
ولهذا، فإن التنسيق السعودي–الإماراتي يمكن أن يشكل أحد روافد هذه المنظومة، لكنه يحتاج إلى أن يتكامل مع دور مصري، بحكم ارتباط البحر الأحمر مباشرة بأمن قناة السويس والاقتصاد المصري، ومع أدوار الدول العربية والإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن. فالسعودية واليمن ومصر والسودان وجيبوتي والصومال وإريتريا، وإن اختلفت ظروفها وأولوياتها، تتقاطع مصالحها عند حقيقة واحدة: لا يمكن أن يكون البحر الأحمر آمناً إذا بقيت إحدى حلقاته عرضة للاهتزاز.
ومن هنا، تبدو الحاجة إلى إعادة تفعيل الأطر الإقليمية التي أنشئت أصلاً لهذا الغرض. فقد تأسس مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن بهدف تعزيز التعاون والتنسيق في مواجهة التهديدات التي تواجه هذا الممر الحيوي. غير أن أهمية الفكرة تفرض اليوم الانتقال بها من الإطار السياسي إلى مستوى أكثر فاعلية، بحيث تتحول المصالح المشتركة إلى آليات مستمرة للتنسيق وتبادل المعلومات وتعزيز أمن الملاحة.
فالتهديدات التي تواجه البحر الأحمر لم تعد تقليدية، وتشمل الطائرات المسيّرة والصواريخ والألغام البحرية والقرصنة والجريمة المنظمة وتهريب السلاح، فضلاً عن توظيف الممرات البحرية في الصراعات الإقليمية والدولية. وهذا يعني أن التعامل معها يحتاج إلى تبادل المعلومات والإنذار المبكر وتنسيق القدرات البحرية وحماية الموانئ والسواحل، إلى جانب المسار السياسي والدبلوماسي.
والأهم، أن مثل هذا التنسيق لا ينبغي أن يتحول إلى محاور جديدة في المنطقة. فالبحر الأحمر يحتاج إلى ترتيبات أمنية تقوم على مصالح الدول المشاطئة، لا على منطق الاستقطاب. وكلما اتسعت المشاركة العربية والإفريقية، أصبح بالإمكان بناء مفهوم أكثر استدامة للأمن البحري، يستند إلى مسؤولية الدول المعنية بالممر، مع الاستفادة من التعاون الدولي دون أن يتحول إلى بديل عن الدور الإقليمي.
وهنا تحديداً تتجاوز المسألة حدود اليمن. فاستقرار اليمن وسيادته وقدرته على حماية سواحله جزء أساسي من أمن البحر الأحمر، كما أن استقرار مصر والسودان ودول القرن الإفريقي لا ينفصل عن سلامة الممر. وفي المقابل، فإن أمن السعودية ودول الخليج يرتبط مباشرة بما يحدث في جنوب البحر الأحمر وباب المندب. إنها دائرة واحدة، وإن تعددت أطرافها.
ولذلك فإن المطلوب ليس صيغة أمنية واحدة تجمع الجميع، بقدر ما هو بناء تنسيقات متعددة ومتوازية: تنسيق سعودي–إماراتي، وتنسيق مصري–خليجي، وتعاون عربي–إفريقي بين الدول المشاطئة، وتفاهمات سياسية وأمنية مع اليمن، بما يخلق شبكة مصالح ومعلومات وقدرات تجعل استهداف الممر أكثر صعوبة، وتمنح المنطقة قدرة أكبر على التعامل مع الأزمات قبل تحولها إلى تهديدات مفتوحة.
لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن حماية باب المندب ليست دفاعاً عن طريق تجاري فحسب، وإنما هي دفاع عن قدرة المنطقة على حماية مصالحها بنفسها، وأنّ البحر الأحمر لا تستطيع دولة منفردة أن تتحمل وحدها عبء حمايته. فالممر الذي يصل آسيا بأوروبا، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن وقناة السويس، أكبر من أن يُختزل في خلاف سياسي أو علاقة ثنائية. إن التنسيق بين السعودية والإمارات مهم، لكن قيمته الحقيقية تزداد عندما يفتح الطريق أمام تنسيقات أوسع، تضم مصر واليمن والدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر، وتضع أمن الملاحة واستقرار المنطقة فوق الحسابات الضيقة. فالبحر الأحمر منظومة واحدة، وأمنه لا يحتمل التجزئة. وكلما تعددت دوائر التنسيق وتكاملت أدوار الدول المشاطئة، ازدادت قدرة المنطقة على حماية أحد أهم شرايينها الاستراتيجية، لا بوصفه ممراً للملاحة فحسب، وإنما باعتباره جزءاً من أمنها ومستقبلها.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة