لم يعد الانتظار والصبر جزءاً مألوفاً من يومنا كما كان من قبل. التطبيقات الحديثة تقدم المحتوى والخدمات بشكل سريع، بل تتنافس في أيها الأسرع، وتتيح الانتقال من حالة ومهمة إلى أخرى بلمسة واحدة. ومع تكرارنا لهذا الأسلوب وتعودنا عليه، يحمل البعض هذه الحالة من الشاشة إلى حياته، وينتظر إجابة فورية، وتغييراً سريعاً، ونتيجة واضحة لكل جهد يبذله، وباتت المهام والطلبات التي تستغرق بعض الوقت، وكأنها لا تسير بالطريقة الصحيحة. على سبيل المثال، المقاطع التي نراها ونتصفحها على مواقع التواصل، نشاهد مقطعاً لا يتجاوز خمس عشرة ثانية، ننتظر أن تصل الفكرة وتكتمل لدينا، وإن لم يحدث ذلك نمرر الشاشة إلى المقطع التالي، أحياناً قبل حتى أن نكمل 15 ثانية، لا نحتاج إلى البقاء أو التأمل، فهناك دائماً شيء جديد ينتظرنا. المشكلة ليست في قصر المقاطع، بل في أن يصبح هذا الأسلوب عادة في التعامل مع كل ما يحتاج إلى صبر، حتى خارج التطبيقات. الشاعر والكاتب المسرحي وليام شكسبير، في مسرحيته الشهيرة «روميو وجولييت»، كتب جملة جاء فيها: «تحرك بحكمة وعلى مهل، فالذين يسرعون يتعثرون». ورغم اختلاف هذه المقولة عن عصرنا، فإنها تذكرنا بأن سرعة الحركة لا تعني بالضرورة أن هذه الخطوة حكيمة وصحيحة. على سبيل المثال، من يبدأ تعلم مهارة قد يتوقع إتقانها بعد أيام، ومن يغير عادة قد ينتظر أن يرى أثرها مباشرة، ومن يعمل على مشروع وحين لا تأتي الأرباح بسرعة قد يفترض فشله، وهكذا تتكرر السلوكيات المتسرعة وتمنع الشخص من التطور والنجاح في حياته.
التمهل لا يعني أن نتوقف عن المبادرة أو نؤجل خطواتنا بلا سبب. هناك فرق بين انتظار يعطل ويؤخر الإنسان، ووقت يمنحه فرصة للفهم والاستعداد. يمكن أن نبدأ اليوم، وأن نعمل بجد، من دون أن نتوقع من كل خطوة أن تعطينا العائد فوراً. بعض النتائج تحتاج إلى تكرار ومحاولات وتصحيح، وليس إلى مزيد من الاستعجال. ربما نحتاج إلى أن نستعيد قدرتنا على البقاء مع الأشياء قليلاً، أن نكمل قراءة مقال حتى نهايته مثلاً، أو أن نواصل جهدنا في مشروع لم يظهر أثره بعد، فالإنجازات الكبيرة تتطلب المزيد من المثابرة والصبر والجهد، ولعل مثل هذه الصفات في هذا العصر أصبحت تتميز بالندرة، أو في طريقها نحو الندرة.
