تملك الكلمة التي تنطلق من رؤية راسخة قوة تتجاوز حدود التعبير، فهي لا تكتفي بإيصال فكرة، بل تؤسس لوعي، وترسم توجهاً، وتضع قيماً قادرة على الامتداد عبر الأجيال. وحين تحمل الكلمة في جوهرها رسالة إنسانية وتربوية، فإن أثرها يتسع.
ومن هنا، تتجلى مسؤولية الإعلام في قدرته على ترجمة الكلمات إلى محتوى إبداعي يخاطب مختلف الفئات ويقرّب المعاني إلى واقعها، لتظل الرسالة حاضرة في الوعي والممارسة، وتجد في كل جيل امتداداً جديداً لأثرها.
وفي عالم تتسارع فيه وسائل الاتصال وتتعدد فيه مصادر المعرفة، لم يعد إيصال الرسائل مسألة تتعلق بما نريد قوله فحسب، بل بكيفية قوله، ولمن نوجّهه، وما الذي نريد أن يبقى منه. فالمعنى العميق قد يفقد تأثيره إذا قُدّم بأسلوب بعيد عن المتلقي، بينما تستطيع فكرة بسيطة تُصاغ بوعي وإبداع، أن تفتح باباً واسعاً للفهم والتأمل. وتزداد هذه المسؤولية حين يكون المتلقي طفلاً، لأن بناء القيم في سنوات العمر الأولى لا يتحقق بمجرد تعريف الطفل بما هو صحيح، بل بمساعدته على إدراك المعنى وربطه بمواقفه اليومية. فالصدق لا يصبح قيمة راسخة بمجرد الحديث عن أهميته، ولا يتحول الشكر إلى سلوك بمجرد تكرار الدعوة إليه، وإنما تبدأ القيم في التشكّل حين يجد الطفل ما يقرّبها إلى عالمه، ويجعله قادراً على فهمها وممارستها.
ومن هذا المبدأ، جاءت مبادرة «أثر يبدأ بقيمة»، استلهاماً من وصايا سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، رئيسة مجلس الشارقة للأسرة والمجتمع، خلال كلمة ألقتها في حفل جائزة الشيخ سلطان لطاقات الشباب. تلك الوصايا حملت رؤية تربوية وإنسانية تستحق أن تمتد إلى ما هو أبعد من حدود المناسبة، وأن تصل إلى جمهور أكبر، تحديداً الأطفال. ولم يكن تحويل تلك الوصايا مجرد إعادة صياغة للكلمات، بل محاولة واعية للحفاظ على جوهر الرسالة، مع ابتكار أسلوب جديد لإيصالها. فجاء توظيف الإيقاع الموسيقي والرسوم المتحركة اختياراً فنياً لجذب الانتباه مما يسهل على الطفل استيعابها واستحضارها في مواقفه اليومية. وهنا تتجلى أهمية المبادرة بوصفها نموذجاً للإعلام الذي لا يكتفي بنقل الرسائل، بل يحسن استثمار إمكاناته في إيصال القيم بأساليب مبتكرة، تجعل من الإبداع وسيلة لتعميق الفهم، ومن المحتوى جسراً يصل بين الرؤية التربوية ووعي الأجيال الجديدة.
إن مسؤولية الإعلام اليوم تتجاوز مواكبة تطور أدواته إلى توظيف إمكاناته بوعي في خدمة الإنسان وبناء الأجيال. فالتكنولوجيا توسّع نطاق الوصول، لكنها لا تضمن عمق التأثير، إذ تبقى القيمة الحقيقية للمحتوى فيما يرسّخه من معانٍ، وما يسهم به في تشكيل الوعي وتوجيه السلوك. ومن هنا، لا يُقاس نجاح الإعلام بمدى انتشار رسائله فحسب، بل بقدرته على إيصالها بأساليب تلامس المتلقي وتمنحها حضوراً مستداماً في حياته. فالكلمة التي تحمل قيمة أصيلة لا يتوقف أثرها عند حدود الاستماع أو المشاهدة، بل يمتد حين تتحوّل معانيها إلى قناعات راسخة، وسلوك يُمارَس، وقيم تتوارثها الأجيال.
*مديرة المكتب الإعلامي لمجلس الشارقة للأسرة والمجتمع
