الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

ثلاث طبعات من العولمة

9 أكتوبر 2026 00:37 صباحًا | آخر تحديث: 9 أكتوبر 00:37 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في نص مبكر يعود إلى ثلاثينيات القرن العشرين، يكتب الأديب والروائي النمساوي ستيفن زفايج عن تخوفه من تنميط العالم، ففي رحلاته المتعددة، لاحظ بداية هيمنة النموذج الثقافي الغربي في الكثير من البلدان، حيث هناك تشابه في أشكال البناء وطرائق ارتداء الملابس وعادات تناول الطعام، حتى أنه يسخر من أن أجساد البشر باتت متشابهة، لأنهم يمارسون الرياضة نفسها.
هذا الكلام قيل قبل عقود طويلة من نشأة العولمة، ومن ثم انتشارها وتغولها، ولم يكن زفايج يقصد إلا التعبير عن صعود الثقافة الغربية، بقيمها وعاداتها، وما ينتج عنها من سلوكيات، وهو صعود تميز بالبطء بدأ منذ منتصف القرن التاسع عشر، ومر بثلاث مراحل، وكان يسير في المرحلتين، الأولى والثانية، بمتوالية حسابية، والآن يقفز بتسارع لا نستطيع معه التقاط الأنفاس.
تمثلت المرحلة الأولى في الاستعمار، والتي شهدت طرح سؤالين مركزيين من الشعوب المغلوبة على أمرها، الأول كيف نقاوم؟ والثاني كيف نحمي خصوصيتنا ولا نقع في فخ التقليد الأعمى للمنتصر؟ وهذا السؤال الثاني تضمن أطروحات تناولت كل شيء بداية من أساليب التفكير ورؤية العالم، وليس نهاية بالزي.
في المرحلة اللاحقة، ما بعد الاستعمار، كان الصعود الغربي يتواصل، والهيمنة مستمرة بأشكال أخرى، وتمثل الخطر الأهم الذي تركه الاحتلال في المستعمرات، أن الشعوب أدركت إلى حد كبير أن تصوراتها عن أنفسها: تاريخها وطبيعة شخصيتها القومية تعود في جزء كبير منها إلى زرع غرسه الاستعمار، من خلال الاستشراق، أو العبث في مناهج التعليم، وهو ما كشفته دراسات ما بعد الاستعمار.
كان الاغتراب الذي عانته الشعوب المستعمرة في المرحلة الأولى مضنياً، وتحول هذا الاغتراب إلى إشكالية ولغز وأحجية في مرحلة ما بعد الاستعمار، فما أتعس أن ترى ذاتك بعيون الآخرين.
مع العولمة جاءت المرحلة الثالثة من الصعود الغربي، وهذه المرحلة تطورت بسرعة من الثقافي وخصوصيته إلى كل ما يمس جوهر وفطرة الإنسان، لقد بات التخوف على اللغة والعادات والتقاليد أثراً من الماضي، وحتى فكرة أننا ندرك العالم من خلال ما تعلمناه من الآخر قُتلت بحثاً، ولم يعد هناك من جديد بالإمكان إضافته إليها.
الجديد الذي تصنعه العولمة ولواحقها كل يوم بالبشر، يتمثل في تنميط عقول البشر، وليس أجسادهم وفق زفايج الساخر، والهدف أن نفكر جميعاً بالأسلوب نفسه، نرى الأمور من زاوية واحدة، نبدع ونتخيل وفق أساليب وأدوات متشابهة، لكي نكون أسلس في التبعية، ولا نستطيع المقاومة، ولا نطرح أية فكرة مغامرة أو متمردة.
في مرحلة الاستعمار قاومت الشعوب عبر وسائل عدة، وفي المرحلة اللاحقة عاشت حالة من التطهر الثقافي والفكري، للتخلص من بقايا أفكار غرسها المحتل، في المرحلتين كانت الممانعة تعتمد بالأساس على العقل والرغبة في الخصوصية والتميز، الآن يتم سلب الشعوب هبة العقل، وهناك من يتحدثون عن مخططات سيئة الطوية تتعلق بمستقبل البشر وتحويلهم إلى آلات، لا تستطيع أن تفكر أو تتخيل أو حتى تحلم.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة