في زيارته الأخيرة للصين في مايو (أيار) الماضي، وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إطاراً جديداً حاكماً للعلاقات الأمريكية - الصينية، لم يسبق أن تجرأ رئيس أمريكي غيره على أن يفصح عنه، أو يعترف به. مضمون هذا الإطار هو اعتراف ترامب بجدية ما يروّج عن «أفول العصر الأمريكي»، وأن الولايات المتحدة لم تعُد القوة الأحادية المتفردة بالقرار الدولي، وأن الصين أضحت شريكاً وندّاً للولايات المتحدة في زعامة النظام العالمي، ضمن هيكيلية أخذت تتجه نحو «ثنائية قطبية» مجدداً، بدلاً من الأحادية القطبية التي لم تعد تُعبِّر عن حقائق توازن القوى العالمية. هذا الإطار عبّر عنه ترامب في لقائه مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، في حفل استقباله بقاعة الشعب في بكين بقوله «إن القوتين العظميين سيكون لهما مستقبل رائع»، و«إنه لشرف لي أن أكون معكم.. إنه لشرف لي أن أكون صديقكم، وستكون العلاقات بين الصين والولايات المتحدة أفضل من أيّ وقت مضى».
ربما يقول قائل إن هاتين العبارتين قد تفصحان عن مدى صعوبة الظروف التي حكمت هذه الزيارة، وقد لا تكون لها استمرارية في زمن لاحق، لكن زيارة الرئيس الصيني وزوجته لواشنطن، الشهر الماضي، أكدت تلك المعاني، وزادتها وضوحاً.
فقد توجه الرئيس الأمريكي شخصياً إلى قاعدة أندروز الجوية لاستقبال الرئيس الصيني وزوجته لدى وصوله.
وعلى الرغم من كثافة الملفات الخلافية التي كانت مطروحة على طاولات المحادثات، كان ترامب حريصاً، في كلمته الافتتاحية على إبراز متانة علاقته بالرئيس الصيني، قائلاً: «منذ انتخابي الأول عام 2016، بنينا، أنا والرئيس شي، صداقة عظيمة حقاً، قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح الحيوية لشعبينا». واستعاد ترامب أجواء زيارته الأخيرة للصين في مايو/ أيار الماضي، واصفاً إيّاها بأنها كانت «شرفاً عظيماً».
وهنا أيضاً قد يقول قائل إن ترامب قام بهذا الإطراء للرئيس الصيني وللعلاقات الأمريكية مع الصين ضمن أجواء اختفت فيها كل معاني الصراع بين الطرفين، بدافع من حاجة لحظية، مثلما حدث في زيارته السابقة للصين. كان ترامب في حاجة إلى تحقيق نجاحات مع الصين تنعش ركود الحملة الانتخابية لمرشحي الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، لأن نتائجها سوف تحسم مصير حكم الرئيس ترامب طيلة العامين المتبقيين من رئاسته، فالملفات التي حضرت على طاولة المباحثات، من الذكاء الاصطناعي والرسوم الجمركية والتجارة، إلى قضية تايوان وإيران وغيرها.. ارتبطت جميعاً بسؤال انتخابي جوهري: ماذا يستطيع ترامب أن يعود به إلى الناخب الأمريكي في موسم انتخابي شديد الحرج والسخونة؟.
هذا التفسير، أو التحليل، له مصداقية كبيرة تكشف، لدرجة كبيرة، أن هواجس ترامب الشخصية هي التي تحكم إدارته للسياسة الخارجية الأمريكية، ولملفات الأمن القومي الأمريكي، حيث كانت هواجس فشله في حربه مع إيران هي التي حكمت زيارته السابقة للصين، وحيث كانت مخاوفه من نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونغرس هي الحاكمة لاندفاعه نحو الرئيس الصيني في ما يشبه استجداء الصين للقبول بعلاقات تعاونية غير صراعية مع الولايات المتحدة، لكن هذا لا ينفي، ولا يتعارض مع حقيقة أن هذا الإطراء للصين ورئيسها من جانب الرئيس الأمريكي يعكس قراءة صحيحة لمتغيرات باتت تحكم بعدم جدوى الاندفاع الأمريكي نحو «سراب» الزعامة الأمريكية المتفردة، وأن الثنائية القطبية بين واشنطن وبكين، وربما التعدّدية القطبية بدخول أطراف قوية أخرى مثل روسيا والاتحاد الأوروبي والهند، باتت أكثر واقعية، ولعل هذا ما يفسر حقيقة أن نتائج زيارة الرئيس الصيني لواشنطن لن تحقق جُل ما كان يطمح إليه الرئيس ترامب، وأن الصين لم تتردّد في إعلان تمسّكها بمطالبها، خاصة بالنسبة لتايوان، ودعم إيران، ووضع قضية المعادن النادرة التي تستحوذ عليها الصين مقابل ملفات الذكاء الاصطناعي والشروط الأمريكية، لتذليل عقبات التعاون الثنائي في تلك الملفات.
