قد تبدو الفكرة واضحة ما دامت في أذهاننا، حيث نعرف ما نريده، ونتخيل النتيجة النهائية، ونرتب الخطوات التي ستقودنا إليها في عقولنا، لكن هذه الصورة لا تخبرنا دائماً كيف سننقل العمل على أرض الواقع، لأنه غالباً يكون بين ما نتخيله وما نواجهه في الواقع الفعلي فجوة، وهذه الفجوة لا يملؤها الكلام، بل تجربة نسمح فيها للفكرة بأن تخرج من حدود تصورنا إلى الواقع.
كثيراً ما نؤجل هذه التجربة لأننا نريد خطة مكتملة الأركان، أو ننتظر أن تتضح جميع التفاصيل، أو أن تتوافر الظروف المناسبة، أو أن نشعر بثقة بدون أي تردد. وقد نواصل البحث والتخطيط مدة طويلة، حتى نجد أنفسنا أعطينا مرحلة التخطيط الجهد والوقت كله، حتى لم يصبح للعمل الفعلي، والبداية الفعلية، مساحة في حياتنا. عندها لا تكون المشكلة أننا لا نعرف ما نريد، بل أننا نطلب من البداية ضماناً وثقة كاملة، لا يمكن الحصول عليها إلا بعد التجربة.
هذا ما يجعل للخطوة الأولى أهمية كبيرة. الفيلسوف اليوناني أفلاطون، الذي عاش بين القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، ناقش في كتابه الشهير «الجمهورية» موضوعات الأخلاق والتربية. وفي أحد نصوصه، ضمّن حديثه عن أثر البدايات في تكوين الإنسان، جاءت جملته الشهيرة: «البداية هي أهم جزء في أي عمل». هذه الجملة قد تكون هي الإجابة والمفتاح لجميع التحديات، فمجرد إدراك الإنسان أهمية أن يبدأ، وأن تكون تلك البداية هي بالعمل، سيخلصه من الكثير من التسويف وتضييع الوقت.
ولا يعني ذلك أن نلغي التخطيط أو نندفع إلى قرارات كبيرة دون استعداد، إنما المهم أن نعطي الخطوات الأولى حقها، حتى لو كانت بشكل تدريجي، مثل درس واحد، أو مسودة أولى، أو تجربة صغيرة نختبر بها الفكرة. المهم أن يكون لها أثر عملي، وأن تنقلنا من التفكير والتنظير في الطريق إلى السير فيه، ولو لمسافة قصيرة.
ربما لن تأتي البداية بالشكل الذي تخيلناه، وربما تكشف أن علينا تعديل اتجاهنا بالكامل، لكن هذا ليس سبب لرفضها، فما نتعلمه منها قد يكون أثمن من الصورة المثالية التي انتظرناها أو رسمناها في أذهاننا.
بعض الأفكار لا ينقصها الوضوح ولا الحماس، بل أن نضع يدنا عليها ونبدأ بالفعل بالخطوة الأولى.
