الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

لم يقرأ الكتاب فحصل على «نوبل»

14 أكتوبر 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 14 أكتوبر 2026 02:09 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
عندما أعلن فوز الفيزيائي فرانسيس هالزمن بجائزة نوبل، وهو في عمر الثانية والثمانين، قرأت عدة أخبار وتحليلات عن مسيرته، وتوقفت عند تصريحات له جاء فيها: إنه «لو قرأ الكتاب المرجعي عن بصريات الجليد لما بدأ مشروعه ولم يكن ليرى النور»؛ لأن ذلك الكتاب كان يتحدث عن حقيقة علمية وهي أن الضوء ينطفئ في الجليد بعد نحو ثلاثين متراً، بينما كان مشروع العالم فرانسيس هالزمن، يتطلب أن يسافر الضوء مئات الأمتار، وعند بداية المشروع، ووفق المعرفة المتاحة في ذلك الزمن، كان هذا من المستحيل أن يتم، والمفارقة التي جعلته يقدم على تنفيذ مشروعه، هو عدم قراءته لذلك الكتاب، وعدم معرفته بتلك الاستنتاجات العلمية.
لكن الفكرة التي يعمل عليها هذا العالم بحد ذاتها غريبة، وغير مسبوقة، وغير مشجعة، وغير منطقية، بل تكاد تكون أقرب إلى الخيال، كيف يتحول كيلومتر مكعب من جليد القطب الجنوبي إلى عين ترصد جسيمات آتية من أطراف الكون، وتعبر الأرض وأجسادنا كل لحظة ولا تترك أثراً، وفي اللحظة نفسها صاحب هذه الفكرة عالم نظري لم يجرِ أي تجربة طوال حياته.
وكما هو بديهي ومتوقع، فشلت أولى التجارب التي تمت في عام1987، وكأن ما جاء في ذلك الكتاب صحيح تماماً، لكن هذا العالم وفريقه لم يتوقفوا؛ حيث قرروا الحفر أعمق، وهناك تحت كيلومتر ونصف الكيلومتر، وجدوا جليداً من أصفى ما عرف من المواد الصلبة، وظهر أن ذلك الكتاب لم يكن مخطئاً لكنه كان يتحدث عن المدى الذي وصلوا إليه في ذلك الزمن، وهي أمتار محدودة. ولكم تخيل أنه طوال سنوات يتم الحفر بالماء الساخن في الصيف القطبي، ووضع آلاف الحساسات التي يتم إنزالها في آبار يتجمد الماء فوقها إلى الأبد، حتى الوصول لعام 2010 لتكتمل هذه الحفريات ووضع حساسات المرصد، وبعد مرور ستة وعشرين عاماً من تلك الفكرة الأولى بدأت النتائج تظهر كمنجزات علمية غير مسبوقة. المفارقة هنا، أن هذا العالم أفنى عمره في السعي نحو العلم، ومع هذا فإن الذي أنقذ مشروعه من التوقف، هو عدم المعرفة. بطبيعة الحال، هذه الكلمات ليست لتمجيد عدم القراءة والاطلاع، لكنها تبين لنا قوة المعرفة نفسها، وأن نضع في اعتبارنا وفهمنا أن معظم ما نراه من حقائق أو بديهيات، إنما هو كشوف محددة بزمن، ولا يوجد ما يمنع من تطويرها واكتشافات تكون أوسع وأكثر إذهالاً، وما كان بديهياً يصبح من الماضي ولا يذكر.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة