جرس إنذار أخلاقي وقانوني دقته حادثة مدينة كولونيا الألمانية لتضعنا أمام صورة واضحة وواقعية عن مستقبل سنصل إليه سريعاً، قد لا ينفع فيه الندم أو محاولات العودة إلى الوراء، حادثة تحرّش صادمة تؤكد مدى بشاعة النفس البشرية وقدرتها على تحويل كل خير إلى شر، وحتى تحويل الآلة من وسيلة متطورة لخدمة المجتمع إلى وسيلة جديدة للتحرش والجريمة!
روبوت تحرش بفتاة تبلغ 16 عاماً أمام أحد المطاعم، الخبر ليس افتراضياً ولا خيالياً، بل واقعة أثارت ذعر الفتاة وصديقاتها، وتثير ذعر كل من يعلم بالحادثة، خصوصاً أنه تبين بعد إلقاء القبض على الروبوت ومالكه (16 عاماً) وشريكه (19 عاماً) أن الحادثة لم تكن خللاً تقنياً، بل «تحكّم بشري متعمد»، حيث قام المتهمان بتوجيه الجهاز عن بعد، وتصوير الواقعة وبثها مباشرة مع التعليق عليها لتحقيق تفاعل رقمي.
هنا لسنا أمام روبوت خرج عن السيطرة، بل أمام إنسان يستخدم التكنولوجيا لإهانة إنسان آخر، والتحرش بفتاة وتصويرها، ثم يحوّل الاعتداء إلى مادة للفرجة وجمع التفاعلات الرقمية. لسنا أمام سؤال نكرره باستمرار عن مدى استطاعة الذكاء الاصطناعي أن يتطور، بل الأهم أن نسأل إلى أي مدى يمكن للإنسان أن ينحدر بأخلاقه وأفكاره حين يمتلك أدوات قادرة على تنفيذ أفعاله، وتوسيع نطاق أذاه، وانتهاك الآخرين والمس بسمعتهم وشرفهم وبث الذعر فيهم وتحويل كل ذلك إلى مشهد للنشر والتداول والسخرية وحصد الإعجاب والشهرة؟
الخطورة الحقيقية في العقل البشري الذي أصبح يستبيح كل شيء ويختبئ خلف جهاز ذكي يحسب أنه سيعفيه من تحمّل المسؤولية. هي ليست أفعال نتيجة طيش شباب مراهق، بقدر ما هي أفعال ناتجة عن تراجع المفاهيم والقيم وغياب التربية وانحدار الأخلاق، وهذه كلها تؤدي إلى غياب الضمير.
لماذا ارتبط تقدّم الآلة بتراجع الضمير البشري؟ هل سيتمكن الإنسان من محاكمة الروبوتات حين تتعلم منه الفساد والجريمة والتحرش، بل ستذهب أبعد من ذلك نظراً إلى قدراتها الخارقة في سرعة التطور؟ الأنظمة الذكية، حتى ولو أنها لا تمتلك إرادة ذاتية، يمكنها أن تتحول إلى أدوات مؤذية في أيدي من يسيئون استخدامها، والأخطر أن الإنسان يستطيع أن يوجّه جهازاً عن بعد، ويوثّق ما يفعله، وينشره على نطاق واسع، بينما تبدو الآلة، في الصورة، كأنها الفاعل الوحيد.
من يحاكم الآلة ومن يحاسب الإنسان؟ ليتنا ننتبه إلى أننا أصبحنا في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا، فيما تظل مسؤولية الإنسان وأخلاقياته هي الاختبار الحقيقي لكل تقدم.
