الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

دراسة: الإمارات تملك مقومات ريادة الديمومة الصحية

17 أكتوبر 2026 19:57 مساء | آخر تحديث: 17 أكتوبر 2026 20:00 مساء
دقائق القراءة - 5
شارك
share
ديمتري كامينسكي
ديمتري كامينسكي
icon الخلاصة icon
الإمارات قادرة على ريادة الديمومة الصحية بسد فجوة العمر الصحي عبر الوقاية ودمج البيانات ونقل التأمين والمعاشات لتقليل عبء مزمن 50 مليار دولار
بات متوسط العمر المتوقع في الإمارات وعدد من دول الخليج الأخرى يتجاوز الثمانين عاماً، إلا أن الزيادة في متوسط العمر الصحي المتوقع لم تواكب هذا التقدم بالوتيرة نفسها، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الديمومة الصحية والعمر الصحي، أي بين إجمالي السنوات التي يعيشها الإنسان، وتلك التي ينعم خلالها بحياة خالية من الأمراض المزمنة أو الإعاقات الشديدة.
ولا يقتصر هذا العبء على كبار السن أو الأشخاص الذين يتلقون العلاج في المستشفيات؛ بل يمتد ليشمل أشخاصاً في سن العمل يواصلون حياتهم المهنية رغم معاناتهم من حالات صحية تؤثر في إنتاجيتهم وتفرض أعباء على أسرهم قبل بلوغ مرحلة الشيخوخة بسنوات طويلة.
وتتناول أحدث أبحاث «مجموعة المعرفة العميقة» (Deep Knowledge Group) التداعيات الاقتصادية لهذا الواقع، كما تبحث في العوامل الهيكلية التي تضع الإمارات في موقع يؤهلها لتطوير الاستجابة الإقليمية له.
وتعليقاً على ذلك، قال ديمتري كامينسكي، الشريك العام في «مجموعة المعرفة العميقة»: «كسب الخليج بالفعل معركة إطالة أمد الحياة، فالناس هنا يعيشون اليوم لما يقارب الثمانين عاماً. أما السؤال الجوهري الذي سيطرح نفسه خلال العقدين المقبلين، فليس حول عدد السنوات التي يعيشها الناس؛ بل حول عدد السنوات التي يقضونها بصحة جيدة. ووفق هذا المعيار، لا تزال المنطقة متأخرة مقارنة بدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية».
ووفق مقياس سنوات العمر المصححة باحتساب العجز، يسجل الخليج خسارة إضافية تقارب 4,186 سنة من العمر الصحي لكل 100 ألف نسمة مقارنة بمتوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وتسهم أمراض السكري والسمنة والقلب والأوعية الدموية ومتلازمة الأيض وقلة النشاط البدني في جزء كبير من هذه الفجوة الصحية التي يمكن الوقاية منها. وغالباً ما يمكن رصد الأمراض الأيضية قبل عقود من وصولها إلى مرحلة تؤدي إلى العجز، ما يتيح نافذة زمنية واسعة لإجراء الفحوص واعتماد نهج صحي مستمر.
وقال كامينسكي: «معظم الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الأمراض المزمنة لا تظهر أبداً في ميزانيات المستشفيات؛ بل تتجلى في أشخاص في سنّ العمل، يواصلون العمل وهم يعانون المرض. ولهذا، فإن الوقاية ليست مجرد سياسة صحية؛ بل هي سياسة اقتصادية».

العبء الاقتصادي


تتسبب أربعة من أبرز الأمراض غير المعدية، وهي أمراض القلب والأوعية الدموية والسكري والسرطان والأمراض التنفسية المزمنة، في خسائر سنوية في الإنتاجية تقدر بنحو 20 مليار دولار
في دول الخليج، إضافة إلى ما يقارب 30 مليار دولار من تكاليف العلاج المباشرة. وبذلك يبلغ إجمالي العبء الاقتصادي نحو 50 مليار دولار، بما يعادل قرابة 2.3% من الناتج الاقتصادي لدول المجلس. ولا تتحمل الميزانيات الصحية وحدها هذا العبء؛ إذ يقع نحو خُمسيه على عاتق أصحاب العمل والأسر والاقتصاد.
تقدّر الدراسة أن زيادة العمر الصحي بما يتراوح بين عامين وأربعة أعوام في دول الخليج قد تسهم في تحقيق ناتج اقتصادي إضافي يتراوح بين 70 و100 مليار دولار بحلول عام 2030. ويعكس هذا الرقم تقديراً تقريبياً لحجم الأثر، وليس توقعاً مستقبلياً دقيقاً.
وفي الوقت نفسه، تتزايد الضغوط الديموغرافية؛ فمن المتوقع أن يرتفع عدد السكان الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً وما فوق في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنحو 243% بحلول عام 2050، بالتزامن مع انخفاض معدل الخصوبة بنحو 19.2%. ومع بلوغ متوسط سن التقاعد الفعلي نحو 54 عاماً وامتداد العمر المتوقع بعد بلوغ هذه السن إلى أوائل الثمانينيات، قد تجد الأنظمة الإقليمية نفسها مطالبة بتمويل نحو 27 عاماً من الحياة بعد انتهاء العمل لكل متقاعد. وفي المقابل، يقل الإنفاق الحكومي على الصحة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، بنحو 43% عن المستوى العالمي.
وقال كامينسكي: «كان أمام أوروبا قرن كامل لبناء المؤسسات اللازمة لمجتمع يتجه نحو الشيخوخة. أما هذه المنطقة، فلا تملك سوى ما يقارب جيلاً واحداً للقيام بذلك، وهي تنطلق من قاعدة تمويل تقل كثيراً عن المتوسط العالمي. وليس في ذلك ما يدعو إلى التشاؤم،؛ بل ما يستدعي بناء نموذج مختلف وبوتيرة أسرع، على أن يتحمل القطاع الخاص جزءاً أكبر من العبء».
وقد تكون استحقاقات التقاعد لمغترب أقام في الإمارات عشرين عاماً موزعة بين ثلاث ولايات قضائية مختلفة، من دون أن يكون أي منها كافياً بمفرده. وقد يتوزع السجل الطبي للشخص نفسه بين مقدمي خدمات ودول مختلفة، ويُحفظ في صيغ لا تتوافق فيما بينها.
لذلك، تُعدّ المعاشات التقاعدية القابلة للنقل والتأمين والسجلات الصحية وتغطية الرعاية طويلة الأجل والمدخرات المرتبطة بالرعاية الصحية، من المقومات الأساسية التي لا غنى عنها.
وقال كامينسكي: «حين يكون تسعة من كل عشرة من المقيمين أتوا من أماكن أخرى، لا يمكن إرساء الأمان التقاعدي على نظام يفترض أن الناس سيبقون في مكان واحد. ولهذا يتعين على الإمارات أن تكون أول من يعالج مسألة قابلية نقل ترتيبات التمويل المرتبطة بالديمومة الصحية في المنطقة، ومن ينجح في ذلك أولاً سيجد نفسه في نهاية المطاف يصدّر هذا الحل إلى الآخرين».

دمج الخدمات


يتولى القطاع الخاص تشغيل نحو 89% من المنشآت الصحية في الإمارات، فيما تتم عبر منشآته نحو 72.8% من حالات دخول المستشفيات. وتمنح هذه البنية القطاع الخاص قدرة أكبر على دمج خدمات الوقاية التي ثبتت فاعليتها سريرياً في الرعاية الصحية الاعتيادية، بوتيرة أسرع من وتيرة اعتمادها ضمن أنظمة السداد في القطاع العام، إلا أن هذا الدور الواسع للقطاع الخاص قد يؤدي في الوقت نفسه إلى تشتت البيانات وتكرار الفحوص والإجراءات التشخيصية.
ويعتمد طب الديمومة الصحية على متابعة حالة الإنسان على مدى سنوات؛ إذ تتضح دلالة أي مؤشر حيوي بدرجة كبيرة عند مقارنته بقياسات سابقة للمؤشر نفسه أُجريت قبل خمس أو عشر سنوات. ويتطلب ذلك منظومة مترابطة تضم سجلات صحية متوافقة وقابلة للتبادل ومعايير موحدة للوقاية ومسارات تشخيصية متكاملة إلى جانب أدوات تحليلية ترصد مدة العمر الصحي للسكان.
وهناك تحديات أخرى يجب التعامل معها، فتعدد الأطر التنظيمية على المستويين الاتحادي والمحلي في الإمارات يعقّد إنشاء منظومة بيانات متسقة على مستوى الدولة. ولا يزال نقل البيانات الصحية عبر الحدود من المسائل التي لم تُحسم قانونياً، في حين يستغرق تأهيل المتخصصين في طب الشيخوخة والمهن الصحية المساندة عقداً أو أكثر.
وتقدم التجارب الدولية رؤى ودروساً مهمة، إلا أنه لا يمكن نقل أي نموذج بالكامل كما هو، فقد أثبتت سنغافورة أن تحقيق نتائج صحية متقدمة لا يرتبط بالضرورة بمستويات الإنفاق العام المعتمدة في أوروبا. كما تُظهر تجربة اليابان أن وضع الأطر التشريعية لتمويل الرعاية طويلة الأمد يجب أن يسبق بلوغ الضغوط الديموغرافية أقصى مستوياتها. ومع ذلك، لم يُبنَ أي من هذين النظامين للتعامل مع واقع قوة عاملة تتراكم حقوقها واستحقاقاتها في دولة، ثم تنتقل للاستفادة منها في دولة أخرى.
يقاس النجاح الحقيقي بمدى انعكاسه على حياة الإنسان ونتائجها الملموسة كتأخير ظهور الأمراض المزمنة وتمديد سنوات العيش دون الحاجة إلى المساعدة والحد من حالات دخول المستشفيات التي يمكن الوقاية منها وتقليص الفترة المرضية في المرحلة الأخيرة من العمر.
وقال كامينسكي: «معيار النجاح هنا لا يتمثل في عدد العيادات التي تفتتح؛ بل في مدى قدرتنا على تأخير ظهور المرض وتمكين الناس من الحفاظ على استقلاليتهم لفترة أطول وتقليص الفترة المرضية في المرحلة الأخيرة من العمر. هذه المؤشرات لا تتغير بسرعة، ولا يمكن استرجاع هذه البيانات بعد فوات الأوان ولذلك يجب أن يبدأ قياسها منذ البداية».
وخلصت الدراسة إلى أن بناء الإمارات لهذه البنية التحتية أولاً سيتيح لها نقل هذه القدرات والخبرات إلى مختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مع تزايد حراك القوى العاملة وامتداد فترات التقاعد.
ورأت أنه إذا وضعت الإمارات هذه البنية التحتية أولاً، فإنه يمكن نقل القدرة عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مع ازدياد قدرة القوى العاملة على التنقل وطول فترات التقاعد.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة