منذ أن أشرقت شمس الاتحاد في الثاني من ديسمبر/ كانون الأول عام 1971، لم تكن دولة الإمارات مجرد دولة وُلدت على خريطة العالم، بل كانت مشروعاً حضارياً وإنسانياً عظيماً حمل في جوهره رسالة سلام، وفي مبادئه قيماً إنسانية نبيلة وفي رؤيته إيماناً راسخاً بأن بناء الأوطان لا يكتمل إلا ببناء الإنسان، وأن قوة الدول لا تُقاس بما تمتلكه من ثروات وإمكانات فحسب بل بما تقدمه للبشرية من خير وما تزرعه بين الشعوب من محبة وتسامح وأمل.
لقد أدرك الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بحكمته وبصيرته الاستثنائية أن الاتحاد ليس مجرد توحيد لإمارات متفرقة تحت راية واحدة وإنما هو تأسيس لدولة تحمل مسؤولية تاريخية تجاه شعبها ومحيطها والعالم أجمع، فجمع القلوب قبل أن يوحّد الأرض، وأرسى دعائم وطن يقوم على العدل والكرامة والتضامن الإنساني، وجعل من الدبلوماسية جسراً للتقارب بين الأمم ومن السلام نهجاً ثابتاً في علاقات الدولة مع العالم.
ومنذ تلك اللحظة التاريخية انطلقت الإمارات برسائل السلام والصداقة من أرضها إلى محيطها الخليجي والعربي ومنها إلى مختلف أقطار العالم عابرةً حدود الجغرافيا واختلاف الثقافات والأديان لتؤكد أن الإنسانية لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة وأن مدّ يد العون إلى المحتاج ونصرة المتضرر وإغاثة المنكوب ليست مواقف عابرة تفرضها الظروف بل مسؤولية أخلاقية أصيلة تتجاوز المصالح والحسابات السياسية.
ولأن الدول العظيمة لا تُبنى بالمصادفة وإنما تنهض برؤية قادة استثنائيين يؤمنون بأن مسؤوليتهم تتجاوز حدود الحاضر إلى صناعة مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للأجيال القادمة فقد واصلت دولة الإمارات مسيرتها الحضارية والإنسانية بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، الذي حمل إرث المؤسس بروح العصر وجعل من الحكمة والدبلوماسية والعمل الإنساني ركائز راسخة في نهج الدولة وعلاقاتها الدولية.
وعلى امتداد أكثر من خمسة عقود، لم تتوقف الإمارات عن ترسيخ هذا الإرث الإنساني والدبلوماسي بل واصلت البناء عليه جيلاً بعد جيل حتى أصبحت نموذجاً لدولة تجمع بين قوة الحضور السياسي ونبل الرسالة الإنسانية، وبين طموحات التنمية ومسؤوليات التضامن الدولي.
واليوم، تقف دولة الإمارات أمام محطة تاريخية جديدة تتمثل في ترشيح ابنة الإمارات لانا زكي نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة في خطوة تحمل دلالات تتجاوز حدود الترشح لمنصب دولي رفيع لتعكس طموح دولة آمنت منذ تأسيسها بأن خدمة الإنسانية مسؤولية لا تحدها الجغرافيا، وأن صناعة السلام تتطلب إرادة وشجاعة وقدرة على جمع العالم حول القيم والمصالح المشتركة.
إن هذا الترشيح ليس مجرد طموح دبلوماسي إماراتي بل امتداد لمسيرة وطن جعل من السلام والتسامح والعمل الإنساني ركائز أساسية في سياسته الخارجية ورسالة جديدة من الإمارات إلى المجتمع الدولي مفادها أن العالم في ظل ما يواجهه من انقسامات وصراعات وتحديات إنسانية متفاقمة يحتاج إلى قيادة قادرة على بناء جسور الثقة وتقريب وجهات النظر وتحويل الحوار إلى اتفاقات والاتفاقات إلى نتائج تنعكس على حياة الشعوب.
ومن هذا المنطلق تأتي رؤية لانا زكي نسيبة لمستقبل الأمم المتحدة مستندةً إلى خبرة دبلوماسية وإيمان عميق بأن المرحلة الراهنة لم تعد تحتمل الاكتفاء بإدارة الأزمات أو انتظار تفاقمها بل تستدعي التحرك المبكر والحاسم وجمع الأطراف المختلفة مهما تباعدت مواقفها، والعمل بإصرار حتى تتحقق نتائج ملموسة وهي رؤية تضع تعزيز مكانة الأمم المتحدة وترسيخ الثقة بدورها المحوري في دعم السلام والتعاون الدولي في صميم أولوياتها، وتعكس إيماناً راسخاً بأن قيمة المنظمة الدولية تتجلى في ما تحققه من إنجازات وما تبذله من جهود دبلوماسية وإنسانية وما تسهم به من ترسيخ للسلام وتوفير للحماية وصناعة فرص لحياة أكثر أمناً وكرامة لملايين البشر.
وتحمل هذه الرؤية طموحاً لتعزيز الدور الريادي للأمم المتحدة وتوسيع آفاق تأثيرها الإيجابي على الساحة الدولية من خلال إعطاء السلام أولوية أكثر إلحاحاً وتمكين الدول من امتلاك زمام تنميتها ومستقبلها وتركيز جهود المنظمة على القضايا التي تمس حياة الإنسان بصورة مباشرة وعلى المسؤوليات التي لا تستطيع أي مؤسسة دولية أخرى الاضطلاع بها.
وهنا تتجلى رمزية هذا الترشيح وأبعاده التاريخية فالإمارات التي حملت منذ تأسيسها رسالة السلام إلى العالم، وقدمت نموذجاً في مد جسور الصداقة والتعاون بين الشعوب تقدم اليوم إحدى بناتها مرشحةً لقيادة المنظمة التي تمثل المظلة الجامعة لدول العالم، وهذه المسيرة التي بدأت على يد الوالد المؤسس الشيخ زايد، طيب الله ثراه، بإيمان راسخ بأن الخير حق مشترك للإنسانية وتواصلت بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، الذي عزز مكانة الإمارات شريكاً دولياً فاعلاً في السلام والتنمية.
