ليسوا قليلين أولئك الذين يقررون التوقف والانتظار، وتأجيل مشروع، أو مهمة، أو دراسة، أو تدريب، أو نحوها من المهام الحياتية التي تفيدهم وترتفع بهم وتزيدهم معرفة وتمكيناً.
قرار التأجيل سهل، وبالتأكيد أنه أسهل من المهمة نفسها مهما كانت، لكن نتائج هذا القرار على المدى البعيد مؤلمة ومحملة بالأسف والندم. وهذا الذي تقوله لنا خبرات وتجارب من سبقونا. ومهما كانت مبررات التأجيل أو التسويف، فإنها تبقى اعتذارات غير صحيحة، عندما يقول أحدهم: سأبدأ القراءة غداً، أو سأضع برنامجاً رياضياً وألتزم به بعد أن أنتهي من المشروع الفلاني، أو سأشتغل على المشروع الفلاني...إلخ فإنها جميعها وعود غير مبررة، خاصة إذا لم تكن هناك فعلاً أسباب واضحة وتصب في مصلحة المهمة نفسها، مثل الاستعداد بالمزيد من المعلومات أو ترتيب ما يساهم في النجاح، لكن التأجيل دون أي سبب هو هروب خفي، وتجنب لمهمة قد تكون دافعة للتفوق وتحقيق النجاحات.
مثل هذه الحالات، المحملة بالتأجيل، مرصودة في العلم وتحديداً في علم النفس الحديث، وتمت تسميتها «متلازمة تأجيل الحياة». وتنمو هذه المتلازمة بسبب انتظار الظرف المثالي، والتخلص من الانشغال أو المنغصات، ونحن نعلم أن هذا لا يمكن أن يتحقق خاصة في ظل حياة عملية ومتسارعة، وبالتالي انتظار الظرف المثالي مجرد سراب لا وجود له.
المشكلة البالغة في مثل هذا التأجيل، أنها تسبب خسائر لا يمكن تعويضها، مثل سنوات طفولة الأبناء التي لا يمكن أن تنتظر فراغ الوالدين، وصحة الجسد التي تذوب بسبب الإهمال، واللقاءات العائلية التي تفتر مع مرور الوقت، إن خسارة الأيام الهادئة التي كانت تحمل جوهر السعادة، قد لا تعود بنفس عمقها وما تحمله من مشاعر.
لذا علينا جميعاً البدء بالتخلص من حالة وهم الانتظار، لأن هذا الوهم قد يكون متواجداً عند البعض من الناس بدرجة كبيرة وواسعة، والبعض بدرجة أقل، لكنه متواجد، ويحتاج لفهم ومعالجة سريعة وجذرية. الحياة عبارة عن تفاصيل يومية مستمرة، قد تكون في فنجان قهوة مع الصباح الباكر، أو محادثة ودية لطيفة، أو ساعة من الهدوء مع من نحب كالأم أو الأب أو أي من أفراد الأسرة، أو في قراءة صفحة من كتاب قبل النوم رغم تزاحم المهام.
علينا عدم انتظار الوقت المناسب، ولا أن ننتظر هدوء العاصفة، حتى نعيش الحياة بعفوية وجدارة واستمرار.
