في لقاءاتنا مع الأقارب أو الأصدقاء أو مع زملاء العمل ونحوهم، يتم بشكل عفوي التحدث في شتى المواضيع، وتُفتح نقاشات مختلفة تُطرح خلالها وجهات نظر متباينة، ويمكن أن نسميه حواراً، خاصة عندما يكون بين اثنين. وما يعنينا هنا أن أحدهما قد يكون هو المتحدث ومن يملك ناصية الخطاب، بينما الثاني في حالة من الصمت وهزّ الرأس بين وقت وآخر، يُظهر أنه ينتظر انتهاء الطرف الأول من كلامه، حتى يدلي برأيه لكنه في الحقيقة ينتظر على أعصابه انتهاء الحديث حتى يهاجم ويفند، فهو لم يهتم بما قيل ولم ينصت أو يحاول الفهم، بل كل همه ينصب على متى يبدأ في الحديث حتى يقتحم المشهد برأي مسبق لم يتأثر بما تم طرحه.
هذه الحالة أسماها علماء التواصل الإنصات الانتقائي، التي تجعل من الحوار مجرد سلسلة من الكلمات المعادة والمكررة، لأن الهدف لم يكن الإنصات ومحاولة التفهم والفائدة، وقياس الرأي الآخر، ومدى دقته وصحته، بل الهدف التقاط كلمات مفتاحية من المتحدث تسمح برد مضاد، أو التصيد والبحث عن ثغرة لنثبت رأياً مختلفاً.
تظهر هذه الحالة بشكل واضح عندما يقوم الطرف الآخر بالانقضاض على كلمات المتحدث بمجرد أن يصمت ومهاجمة مفردات من كلماته وليس الموضوع، وعمقه.
مثل هذه الحالة التي تتكرر في بعض المجالس أو في بعض اللقاءات، تبين أهمية معرفتنا لمهارة التواصل التي تُعرف بالصمت الواعي. وهذا النوع من الصمت لا يعني تغييب صوتك، بل يعني الحضور الذهني، والتريث لثانيتين أو نحوهما في الرد وطرح ما لديك، هذه المدة الزمنية القصيرة التي تصمت فيها، هي مؤشر على الاحترام للطرف الآخر ولكل من هو موجود في المجلس، لأنك بهذا الصمت القصير كأنك تقول بأنك تقدر ما طُرح وتفكر فيه.
وعلى الجانب الآخر هذا التريث القصير يمنحك عدة فوائد، منها استيعاب المقصد والموضوع وليس الألفاظ، وربما حتى المشاعر التي تقع خلف تلك الكلمات التي تلقيتها. هذا الصمت الواعي يمنح حضورك انطباعاً بالحكمة والاتزان والسيطرة الواعية على مجريات الحوار. والأهم أنه قد يساهم في تحويل الحوار من التوتر ومحاولة كل طرف للانتصار إلى التشارك والود والاحترام.
أعتقد أنه من المهم أن تنتشر في مجالسنا قيمة الصمت الواعي والتفهم، لتكون المعلومات المتداولة محملة بالثقافة والمعرفة وكل ما يفيد.
