هل تسمح بإعادة فتح ملفّ ثقافي غير جديد، سوى أن الأوساط العربية المعنيّة، أذن من طين، وأذن من فلّين؟ نصحتُ القلم بألا ينبش الزوايا القديمة، خشية أن ينهار الركام، فتلقى مصير الجاحظ الذي زعموا أن جبل كتب هوى عليه.
قال: كفاك تقليداً للنعامة، ظانّاً أن القضايا الحيّة لا تراك. لقد رأيتُ قبيحاً أن تجودنا القرون بحضارات أضاءت الدنيا بشموس العلوم والمعارف، وعندما جاء دور العرب، لم يجدوا غير محاولة النسج على منوال الخواجات. عيب، أنت ابن باقة حضارية لم يعرف التاريخ لها مثيلاً. أنت ابن هوية مساحتها أربعة عشر مليون كيلومتر مربع، جذورها ضاربة في عراقة مصر ووادي الرافدين، واللفيف الآرامي، من ديار النهرين، والبتراء، إلى أوجاريت إلى صور وبعلبك، مرابع الكنعانيين (الفينيقيين)، إلى قرطاج (قُرط حَدَشت:المدينة الحديثة)، إلى العصرين الأموي والعباسي، وجنان الأندلس. كل هذا، لا يحرك شعرةً في مفرق إلهامك، وتركض لاهثاً متشبثاً بتنورة «ماما» الدول الاستعمارية، التي جعلت بلاد العُرْب أوطاني، كأنما ضربها زلزال اثنتي عشرة درجة ريختر.
عندما ظهرت الرومانسية، قال الشعراء: هذا سؤْلنا، فلما أفلت قالوا: لا نحب المدارس الفنية الآفلة. فلما أطلّت الدادية والسوريالية ومسرح اللامعقول، قالوا: هذا مبتغانا، فلمّا انفض المثقفون من حولها، قالوا: لا بدّ من منقذ من التيه الإبداعي، فلما خرجتْ من الباب وعادت من النافذة، متقنّعةً بالحداثة وما بعد الحداثة، قالوا: أرأيتم؟ هذا ما كنّا نبحث عنه ظامئين، فإذا ما بعد الحداثة هو: «إذا جاوز الشيء الحدّ، انقلب إلى الضد». لقد رأوا الآية الكاوية، في الدمار الذي حلّ بالعراق وليبيا وسوريا.
بالمناسبة: أليس من العجيب أن تكون للعالم العربي تلك المآثر والمفاخر الحضارية الألوفية السنين، التي لم تفلح مناهج العرب حتى في استثمار كنوزها الفنية والمعرفية والعلمية، في المراحل الدراسية من الابتدائية إلى الجامعة، ثم تجمع الأقدار شتاتاً من كل الأصقاع، مدَّعياً تلقين العرب دروساً في الحريات والديمقراطية؟ لكن، والحق لا يقال: ما فائدة كل قرون العلوم والمعارف، إذا كان ذلك الشتات بنى في ثمانية عقود مراكز بحث علمي، لا تملك الأمّة كلها ولا حتى واحداً % منها؟ لا كمّاً فقط، بل ونوعاً.
لزوم ما يلزم: النتيجة التأجيلية: عفواً، فالاستطراد أحياناً كملح الطعام. لكن التبعية الاصطلاحية لم ينته حديثها.
