الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

هل يصبح الحلم كابوساً؟

1 نوفمبر 2026 00:11 صباحًا | آخر تحديث: 1 نوفمبر 2026 00:15 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
كانت أوروبا حلماً للملايين من مختلف قارات الدنيا، قصدها الباحثون عن العمل والحرية والأمان، ولكنها تحولت إلى كابوس لأهلها. لم تعُد شوارع أوروبا مجرّد مساحات للتظاهر والتعبير عن الرأي، بل تحولت في مدن عدة إلى ساحات مواجهة بين مواطنين يشعرون بأن حياتهم تضيق يوماً بعد آخر، وحكومات تبدو عاجزة عن تقديم إجابات مقنعة لأسئلتهم المتراكمة. من فرنسا إلى إيطاليا وبلجيكا والبرتغال وإسبانيا، تتصاعد الاحتجاجات، وتتعدّد الشعارات، لكن خلفها غضب واحد تتباين أسبابه، وتلتقي نتائجه: مواطن أوروبي لم يعُد واثقاً بأن الغد سيكون أفضل من اليوم.
فهل أصيبت أوروبا العجوز بالعجز، أم أنها تواجه أزمة عابرة في مسيرة قارة اعتادت تقديم نفسها نموذجاً للاستقرار، والديمقراطية، والرفاه؟
ما يحدث ليس مجرّد تظاهرات متفرقة يمكن احتواؤها ببعض الوعود أو الإجراءات الأمنية. فارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمة السكن، وتراجع القدرة الشرائية، والضغوط التي تواجه التعليم والخدمات العامة، كلها عوامل تدفع شرائح مختلفة إلى الشارع، وفي فرنسا، امتدت الاحتجاجات من مطالب الطلاب والمعلمين إلى غضب أوسع بشأن الأوضاع الاقتصادية، والخدمات العامة، بينما تصدرت أزمة السكن المشهد في إسبانيا والبرتغال، وارتبطت احتجاجات إيطاليا بغلاء المعيشة وأوضاع التعليم، والأجور.. وهنا تكمن خطورة المشهد: حين تتحول الأزمات المنفصلة إلى شعور عام بأن الحكومات لم تعُد قادرة على الوفاء بوعودها.
وتزداد الأزمة تعقيداً عندما تتزامن الضغوط الداخلية مع اضطرابات خارجية، وحروب وتوترات جيوسياسية تفرض أعباء إضافية على الاقتصادات الأوروبية، وتضع الحكومات أمام خيارات صعبة بين الإنفاق الاجتماعي، ومتطلبات الأمن والدفاع، والتزاماتها الدولية. وبينما تتحدث السلطات عن محدودية الموارد وضرورة الانضباط المالي، يرى المواطن أن فاتورة السياسات والقرارات الكبرى تصل في النهاية إلى جيبه، وأنه مطالب بتحمّل نتائج خيارات لم يكن شريكاً حقيقياً في صنعها.
الأخطر من الغضب نفسه هو ما يمكن أن يتحول إليه، فالتظاهرة السلمية حق ديمقراطي، والاعتراض على الحكومة ليس تمرداً على الدولة، غير أن انتقال الاحتجاج إلى إحراق الممتلكات، والاعتداء على المؤسسات، والاشتباك مع الشرطة، ينقل الأزمة إلى مستوى آخر.
لا يجوز وضع جميع المتظاهرين في سلة واحدة، كما لا يجوز اتخاذ أعمال التخريب ذريعة لتجاهل الأسباب التي أخرجت الناس إلى الشوارع، الحكومة التي تكتفي بتشديد القبضة الأمنية قد تنجح في إخلاء الساحات مؤقتاً، لكنها لن تستطيع إخلاء النفوس من الغضب.
والسؤال الأهم: هل فقد الأوروبيون إيمانهم بالديمقراطية؟ الأرجح أن كثيرين لم يفقدوا إيمانهم بفكرتها بقدر ما فقدوا الثقة بقدرة بعض ممارساتها ومؤسساتها على تحقيق النتائج التي ينتظرونها، فالديمقراطية ليست مجرّد انتخابات دورية، ولا يكفي أن تمنح المواطن حق اختيار الحاكم إذا ظل عاجزاً عن تأمين حياة كريمة.
عندما يشعر الناس بأن أصواتهم لا تغيّر واقعهم، تفقد الديمقراطية معناها، ويصبح الغضب أرضاً خصبة للشعارات المتطرفة، ويغدو العنف أكثر إغراءً لدى بعض الفئات التي فقدت الأمل في جدوى الوسائل التقليدية.
ولا يمكن فصل ذلك عن الاستقطاب السياسي الذي يقسم المجتمعات إلى معسكرات متناحرة، ويحوّل الخلاف من تنافس على البرامج إلى معركة لإقصاء الخصوم. فالحكومات التي تنشغل بتسجيل النقاط على المعارضة، والمعارضات التي تراهن على انهيار السلطة أكثر من رهانها على تقديم البدائل، تسهمان، معاً، في تعميق الأزمة. أما الانحيازات الخارجية، حين تتعارض مع المبادئ المعلنة أو تُطبق بمعايير مزدوجة، فإنها تضعف مصداقية الخطاب الأوروبي عن الديمقراطية والحقوق، وتغذي شعوراً بأن القيم قد تصبح انتقائية عندما تتعارض مع المصالح.
إنقاذ أوروبا من الغضب الشعبي لا يحتاج إلى مزيد من الحواجز الأمنية، بقدر ما يحتاج إلى مراجعات سياسية واجتماعية جادة: سياسات إسكان تجعل المسكن في متناول أصحاب الدخول المتوسطة والمحدودة، واستثمار حقيقي في التعليم، والصحة، والخدمات العامة.
أوروبا ليست محكومة بالسقوط، لكنها ليست محصّنة منه أيضاً، وما يجري في شوارعها قد ينتهي إلى موجة احتجاج عابرة، وقد يتحول إلى نقطة انعطاف تعيد رسم خرائط السلطة والسياسة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة