كثيراً ما تَجادَل المتجادلون في الأسباب والعوامل التي تفسّر انفراد الولايات المتّحدة، من دون سائر دول العالم، بالاستقرار السّياسيّ والاجتماعيّ المديد الذي يكاد أن لا يشهد على الاهتزاز حتّى في لحظات الأزمة الكبرى (كما في أزمتي العام 1929 والعام 2008)، أو التي تفسّر - على الأقلّ - تلك المقدرة لديها على استيعاب أزماتها واحتوائها وتحييد آثارها السّيّئة على الدّولة والمجتمع والاقتصاد.
جودِلَ في تلك الأسباب والعوامل منذ عقود خلت، وانقسم فيها المتجادلون إلى شِيَعِ رأيٍ عديدة، وما برِح الجدلُ مستمرّاً حتّى اليوم من غير أن يُحْسَم أَمرُه،
من المتجادلين من عزا ذلك الاستقلال إلى الثّروة فافترض أنّ استيلاء المستوطنين الأوروبيّين على قارّة غنيّة بالموارد الطّبيعيّة الزّراعيّة والمعادن، منذ القرن السّادس عشر، نتج منه تكوُّن الشّروط الماديّة الأساس لبناء اقتصادٍ قويّ غَذّى سائر القطاعات الاجتماعيّة، ووفّر لأمريكا الموارد المادّية لتحقيق التّنمية العلميّة والتّكنولوجيّة، وتحقيق التّفوُّق في هذا الميدان من طريق استقدام الكفاءات العلميّة العليا من كلّ أنحاء العالم إلى جامعات أمريكا ومختبراتها ومؤسّساتها الإنتاجيّة والاستشفائيّة وغيرها.
ومنهم من عزاهُ إلى الجغرافيا، حيث الموقعُ بين المحيطات وحواجزها المائيّة فرضَ عزلة الولايات المتّحدة عن العالم وتحديداً، شَكَّل لها سدّاً منيعاً في وجه أيّ أخطار عسكريّة قد تحدق بها أو تتهدّدها من الخارج. ومنهم من عزاهُ إلى طبيعة التّكوين وما حمله من عوامل التّخصيب لتربتها الاجتماعيّة، إذْ لمّا كانت مجتمعات أمريكا مكوّنة من المهاجرين الوافدين إليها من أصقاع الأرض كافّة، فقد افتُرِض بأنّ هؤلاء المهاجرين حملوا معهم خبْراتهم المتنوّعةَ، وثرواتهم إلى مجتمعٍ عرف كيف يُدمجُهم فيه ويصهرهم في شخصيّة عامّة، فالتّعايُش والتّساكن سمة طبعتِ الاجتماع الأمريكيّ.
ومنهم من عزاهُ إلى قوّة الدّولار وأدوارِه الإمبراطوريّة في الاقتصاد العالميّ كلّه، حيث إنّ النّجاح في فرْضه عملةً مرجعيّة كونيّاً لم يتولّد منه وفيرُ الأرباح والمكاسب على الاقتصاد القوميّ الأمريكيّ، فحسب، بل كرّس الولايات المتّحدة بوصفها الدّولة الأقوى في العالم والماسكة فيه بأزِمَّة السّلطة والثّروة.
وأخيراً هناك من عزاهُ إلى قوّة النّظام السّياسيّ والدّستوريّ فيها، حيث العاملُ السّياسيّ عاملٌ مركزيّ، بل حاسمٌ، في أيّ استقرارٍ ينْعم به اجتماعٌ أو فوضًى تعصف به. إلى ذلك تَدين ظواهرُ الازدهار الاقتصاديّ والعلميّ والتّكنولوجيّ هي نفسُها، في انتظامها وديمومتها في أيّ مجتمعٍ، إلى الاستقرار السّياسيّ فيه، هذا الذي لا يكون ويمكنُ أمرُهُ إلاّ متى تَمَتَّع النّظامُ السّياسيّ القائم بأسباب القوّة والفعاليّة التي تمتدّ مفاعيلُها إلى صُعُدِ المجتمع الأخرى.
والحقُّ أنّ مفتاح فهم حالة الاستقرار في الاجتماع الأمريكيّ هو، في المقام الأوّل، فرادةُ النّظام السّياسيّ القائم في الولايات المتّحدة. مبْنى النّظامِ هذا على هندسةٍ دقيقة رُسِمت خطوطُها ووُضعت مداميكُها في الدّستور الأمريكيّ. وإذا كان من سمةٍ ميّزت تلك الهندسة وأظْهرتْها على هندساتٍ أخرى دستوريّة للأنظمة السّياسيّة في العالم.
على أنّ النّظام السّياسيّ هذا يعتوره عيبان رئيسان يضعان الاستفهام على حُجِّيتِه الدّيمقراطيّة، هو الذي يقال عنه إنّه «الدّيمقراطيّة الأكبر» في العالم! يتعلّق الأمر في ذينك العيبيْن بمسألتيْن: التّمثيل السّياسيّ والتّداول على السّلطة، وهُما من أمّهات مسائل النّظام الدّيمقراطيّ الحديث.
فأمّا التّمثيل فملتبسُ الهويّة ولا يمكن حسبانُه ديمقراطيّاً على نحوٍ صاف. مردُّ ذلك إلى أنّه مزدوج: تمثيلٌ مواطنيّ وتمثيلٌ ولاياتيّ ويقود، في الحالين، إلى تكوين مجلسين يتقاسمان التّشريع ويقرّران، بالتّالي، في شأن من يكون الفريق الحاكم. ومع ما لهذا الازدواج في التّمثيل من فائدة في إقامة التّوازن بين المركز والولايات، إلاّ أنّ عيبَه الأكبر في نقله سلطةَ الحسم في انتخابات الرّئاسة من الشّعب (مصدرِ السّلطة نظريّاً) إلى هيئة كبار النّاخبين الذين يمثّلون الولايات، وما أهمَّ إنْ كان الرّئيس الحائز غالبيّة أصوات المجمع الانتخابيّ حائزاً أصوات غالبيّة الشّعب أم غيرَ حائزها!
وأمّا التّداول على السّلطة فمعدوم في هذا النّظام السّياسيّ أو هو - على الأقلّ - شكليّ، لأنّ «التّداوُل» فيه يجري بين حزبين يحتكران تلك السّلطة ويشكّلان وجهيْن لقطعةِ النّقد الواحدة، بل لا يعبّران سوى عن قوى المصالح الطّبقيّة البرجوازيّة.
