طوال العقود الماضية، تمكنت مؤسسات التعليم من المحافظة على موقعها القوي في كل مجتمع، وحضورها الواضح في مختلف مفاصل الحياة البشرية، وتمتعت باهتمام وعناية بالغة وكبيرة، فهي من يقع عليها التعليم وزيادة معارف الناس، وهي دون شك ركن أساسي في بناء المجتمع ونموه وتطوره، فلا أحد يجهل أهمية التعليم وأثره في الفرد والمجتمع، فلا يمكنك تخيل إنسان يتوجه نحو سوق العمل وهو لا يحمل شهادة تثبت دراسته، فربط الوظيفة بالشهادة واضح وماثل.
لكن في هذا العصر، أعتقد أن مثل هذه الحالة قد تغيرت أو أنها في طريقها نحو التبدل، البعض يسمي هذا التحول بالانهيار الصامت، ويعتبرون أن العصر الرقمي الذي نعيشه وما نشهده من تدفق للمصادر المفتوحة والمعلومات الثمينة المشاعة، سبّبا حالة من فك الارتباط بين المعرفة والمؤسسة التي كانت تقدمها، حيث إن العلوم لم تعد محصورة أو محتكرة في مؤسسات التعليم، ولا نحصل عليها إلا من خلال معلمين في حصص دراسية أو من خلال محاضرات في الأقسام الجامعية، لأنه وكما هو واضح وماثل في عصرنا الراهن، يمكن لأي إنسان صغر أو كبر، أن يتعلم ويحصل على ما يحتاج إليه من المعلومات والمعارف، فقط يحتاج الجدية والمثابرة والشغف. له أن يختار المناهج التي تروق له وتتناسب معه، ويمكنه الاستماع لأعظم وأهم العلماء والمفكرين عبر محاضرات مفتوحة أو من خلال كتبهم التي هي مشاعة على شبكة الإنترنت سواء صوتياً أو إلكترونياً، ودون التقيد بإطار زمني أو وقت محدد، بل هناك دروس مرتبة ومتعددة بالصوت والصورة، مجاناً، تعطي المعرفة في قوالب ذكية وبشروح مبسطة، ويوجد تنافس شديد في هذا المضمار لكسب المزيد من الدارسين.
هذه التطورات أو ما نراه من تحولات، ليست تقليلاً من قيمة الجامعات، ولا تقليلاً من دور ورسالة مؤسسات التعليم، ومهامها في تأهيل الكوادر البشرية. لقد ظهر ونما مفهوم التعلم الذاتي، وبتنا نرى شواهد عن مخرجاته، وما زال في أولى خطواته بطبيعة الحال، ونحتاج إلى تنظيمه والمزيد من الجوانب لحوكمته وكيفية التعرف إلى مخرجاته وتوثيقها واعتمادها، وهي جوانب تنظيمية مهمة لهذا القطاع الواسع.
ولعل المبادرة في تنظيم هذا المجال التعليمي باتت مهمة ملحة وضرورية على الهيئات التعليمية المعنية، لأننا نشهد مناهج تعليمية على شبكة الإنترنت ثمينة وقوية، وهناك الكثير ممن يلتحق بها وتزداد معها معارفهم وقدراتهم، لكنها تفتقر للاعتراف والتصديق.
