ما لك مستعجلاً، «وكان الإنسان عَجولا»، واهماً أن أحدث الأحداث هي نهاية المطاف؟ ألم تتعلم من زلّة فوكوياما، الذي توهم أن سقوط جدار برلين «نهاية التاريخ»؟ رويدك، فما الخسارة المدوّية للحزب الجمهوري، إلّا الخطوة الأولى على طريق الألف ميل. ما هي إلّا الرفّة الأولى للفراشة على المحيط. هل تذكر أسطورتنا القديمة عن طائر الصدى الخرافي، الذي يظل يصيح على مثوى القتيل، إلى أن يثأر له أهله؟ الكون لم يُبنَ على باطل، فحتى حين تكون سيوف ذوي الضحايا من قش هش، فإن عين الحق لا تنام، وعصاه لا صوت لها.
خذ الأمور بتؤدة وأناة. اللوحات التكتونية التي تحرك كل ما عليها، ويطلقون عليها اسماً ظريفاً «الدولة العميقة»، دأبت منذ عقود، على استمداد أسلوب إدارتها من رقعة الشطرنج: مربّع أسود، مربّع أبيض، وهكذا. يصعد الحزب الجمهوري فيستبيح البلدان، وينتهك القانون الدولي، فلا يُبقي ولا يذر، فتسوء سمعة الإمبراطورية، ويعلو الصراخ والعويل في الجهات الأربع، وإذ بالحزب الديمقراطي يتجلى على جواد أبيض: أنذا الفارس المخلّص، سوف أنشر العدل والإنصاف، فأبشروا فأنا كامل الأوصاف. سأحرّر الشعوب من المستبدين، سترون الديمقراطية عين اليقين، سنطيحهم بحاملات الطائرات والقاذفات العملاقة، ونستولي على الثروات لتهنأ الجماهير بأحلام إعادة الإعمار والازدهار. وهكذا إلى الأقراص المنوّمة التالية.
يبقى أن الأمم ليست كلها على شاكلة واحدة. منها ما لا يستسلم للسبات الطويل، ذلك الطراز الذي حذّر منه بونابرت: «لا توقظوا التنين، فإنه إذا استيقظ زلزل العالم». ألا ترى أنه صحا من تلقاء نفسه؟ساعته البيولوجية ديكيّة مدوزنة على الفجر، فعندما ينجلي الظلام، يَسمع صوتاً هاتفاً في السَّحَر:«اصح يا نايم.. وحدّ الدايم»، فالله هو الغالب، لا القوى العظمى ولا ما دونها. حتى تلك الأمم التي تحسبها كهفية رقيمية، ولا تتحرك يميناً أو شمالاً، فجأةً، تراها: «أذّن الفجر على أيامها.. وسرى فوق روابيها الشروق». تهبّ الشعوب كأنما هطلت عليها شلالات مثلجة، فيتساءلون بينهم: كم لبث الكابوس جاثماً على صدورنا؟ يوماً أم بعض يوم؟ أكذب كاذبيْن، فوكوياما توهّم أن البلطجة هي المنتصرة في نهاية التاريخ، وهنتنغتون، ظن أن المشهد صراع حضارات. العالمان العربي والإسلامي والصين، يواجهون عربدات، لا حضارات.
لزوم ما يلزم: النتيجة الفكرية: لا يمكن أن يصير الكذب والخداع، أيديولوجيا أو نظريةً سياسية.
