مع أن التقنيات الحديثة دخلت في مختلف مفاصل حياتنا، وسهلت كثيراً من العقبات والصعوبات، وساهمت في وضع حلول لكثير من المعضلات، إلا أن هناك ممارسات حياتية ما زال البعض ينهجها وهي تكلف الجهد والوقت، وأيضاً تضيع الكثير من الطاقات وتهدرها من دون فائدة تُذكر.
واحدة من أهم الملاحظات التي يمكن رصدها في هذا المجال موضوع اجتماعات العمل، التي تجعل الموظف متجولاً بين قاعات الاجتماعات، يخرج من اجتماع لينتقل إلى آخر، والتطور الذي يحدث أن بعض هذه الاجتماعات تتم عن بُعد، أو من خلال شاشات العرض، وتجد الموظف مشغولاً إما بمشاهدة تلك الشاشة لساعات، أو التنقل في أروقة مقره الوظيفي من قاعة إلى أخرى لحضور الاجتماعات. وقد تبدأ وتنتهي تلك الاجتماعات من دون نتائج، أو من دون التوصل إلى قرارات محددة تخدم بيئة العمل، وكل ما يحدث سيل جارف من الكلمات والمداخلات والملاحظات المتبادلة، وعند انتهاء ساعات العمل، لا يجد الموظف الوقت ليعالج مهامه وينظم ملفاته أو ينجز خدمة من وظائفه، وهذا يضطره إلى نقل هذه المهام إلى منزله، والاشتغال عليها خلال ساعاته مع أسرته وأطفاله. والمشكلة الأخرى أن ساعات الاجتماعات المتكررة والطويلة تسبب نزفاً زمنياً كلفته كبيرة، ويتم دفعها من رصيد الابتكار والإبداع ومن جودة العمل ومخرجاته، لأن العمل البشري المبدع المعتمد على التخطيط والدقة، لا ينمو في غرف مثل غرف الاجتماعات حيث تتوالى الأصوات وتتعدد وترتفع، بل يحتاج إلى التركيز والعمق والهدوء، وهي جوانب وصفها الدكتور كال نيوبورت، أستاذ علوم الحاسوب في جامعة جورج تاون، ب«العمل العميق»، وهي «القدرة على التركيز الصافي من دون مشتتات لفترات ممتدة، حيث يتصل الذهن بجوهر المسألة، ويفكك تعقيداتها، ويبتكر حلولاً استثنائية تتجاوز الحلول السطحية العابرة».
بطبيعة الحال، لا أقول بأن الاجتماعات في بيئات العمل خاطئة بشكل عام ومطلق، ولا أقول بأنها سبب للتراجع الوظيفي أو تدني الإنتاج، لأنها تبقى مهمة للتنسيق، وبناء الجسور، والتفاهم بين فرق العمل، لكن تزايدها وتعددها وكثرتها، لتزاحم المهام الوظيفية الأساسية هي الخلل الذي أشير إليه. وتبقى القيمة لأي بيئة عمل في تمكن موظفيها من تحقيق الإبداع، وزيادة الإنتاج، والاستجابة للخطط المرسومة.
المقياس الجوهري للنجاح في البيئة الوظيفية يتمثل في جودة بيئة العمل وكونها جاذبة، وليست بيئة مزدحمة بالاجتماعات والقرارات المتعددة التي بينها تضارب وتسبب تشتتاً للموظف وفقدانه الشغف والحماس.
