هناك مفارقة غريبة، قد تمس الكثير منا، وهي أيضاً تستدعي الملاحظة والتوقف عندها ومعها والتمعن فيها، بما يشبه الدراسة والتعلم منها، هذه المفارقة الجديرة بالتأمل تتعلق بانطباعنا عند مغادرتنا لمنازلنا والسكن في أحد الفنادق، خلال رحلة سياحية أو عمل. الانطباع الأول الذي في العادة نخرج به عند دخولنا نحو غرفة الفندق، هو الإعجاب بترتيب الغرفة وتوزيع الأثاث، وبجميع تلك المساحات الخالية فيها، مع أنها غرفة محدودة، وبمعايير منازلنا، قد تكون غرفة أصغر من غرفة النوم لأحدنا، ومع هذا نشعر فيها بالراحة، ونعجب بها.
أجد أن هذه المفارقة لا تكمن في جمال الفندق ولا في رفاهيته، بل في حقيقة قد تكون معكوسة أو مقلوبة إن صحت الكلمة، لأننا نحن أنفسنا من دفع المال مراراً وتكراراً لملء منازلنا بكل ما تقع عليه العين من أثاث وتحف وأجهزة وكماليات، حتى باتت زوايا منازلنا ضيقة، بينما العكس تماماً نراه في تلك الغرف الباردة التي نسكنها لبضعة أيام في تلك الفنادق، ونشعر فيها بالتغيير وبالمساحة والهدوء.
هل هو تلوث من نوع ما؟ هل هي حالة وقع فيها الكثيرون منا، وهي التكديس في منازلنا؟ أم هي حالة من غياب الوعي تلبست بالبعض، مفادها أن تكديس غرف النوم وملء الخزائن بالمستلزمات هما طريق السعادة والفرح؟
والحقيقة أن الواقع مختلف تماماً، لأن كل مجسم على رف، أو كل قطعة أثاث في غرفة، أو كل جهاز في زاوية، هي تأخذ حيزاً من المكان، وتزاحمنا، وتضيق نظرنا، هذه جميعها ليست جوامد كما نعتقد، بل إنها تشوش مجالنا البصري، وتطالبنا ببذل المزيد من التنظيف والرعاية والعناية، إنها ليست صامتة، بل تجعلنا في حالة من الحذر أن يتم كسرها، وننقلها من مكان لآخر، وتتحول إلى كنز ثمين مع أنها لا تحمل قيمة تستحق كل هذه العناية والاهتمام.
لذا نرى أسرّة الفنادق جميلة ومريحة، ولا يكمن سر الراحة في جودة الوسائد، بل في غياب المشتتات، لا ترى فواتير على الطاولة، ولا صناديق مكدسة تنتظر التفريغ والترتيب، ولا أدوات مبثوثة تذكرك بأن هناك مهام لم تنجز.
لذا من الأهمية أن نعيد بيوتنا لتكون ملاذات للسكينة والهدوء، لا مستودعات للتخزين وجمع منتجات العروض، أن تكون بسيطة وفيها مساحات خالية للهواء النقي والضوء المتجدد.
