أليس صحيحاً أن الأزمات مدارس؟ سوى أنها تعلّم الخبراء، قبل غيرهم. العلم والحكمة نسبيّان. عندما لا يكون الشخص رشيداً، تستوي في شأنه الحضانة وشهادة الدكتوراه، حينئذ لا أهمية لأن يكون متربّعاً على عرش الكوكب.
من أروع ما في الحياة أن يتعلم الإنسان كل يوم. أعظم من ذلك أن تتعلم الشعوب والأمم في كل رفّة رمش. المهمّ في التحوّلات الكبرى في العالم، هو أن يسارع الناس إلى المراجعات الضرورية: هل المجتمعات في مستوى استيعاب الوقائع؟ هل التربية والتنشئة والتكوين والتأهيل، تؤهلهم لمواجهة الأحداث؟ مفهوم الوطن عمل مشترك بين كل فئاته. البيولوجيا ليست مجرّد مادّة للتدريس، هي أستاذة أيضاً.
سبحان الله، ما هذا التناغم البديع؟ منذ أيام الصبا، يزرعون في أذهاننا: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيّته». كأن القول المأثور الذهبي مستلهم من علم الأحياء، فجهاز المناعة في الجسم تضطلع فيه كل خلية بدور، عدد الخلايا لدى الإنسان البالغ نحو خمسة وثلاثين تريليون خليّة، موزعة على مئتي نوع من الخلايا. ما أسعد الوطن الذي كل فرد فيه جنديّ ساهر على سلامة الجميع. الخلية التي في العين كالخلية التي في شحمة الأذن، مثل الخلية التي في كعب القدم أو الأحشاء، جميعاً بالمرصاد لأيّ غريب يريد النيل من السلامة العامّة. لا مثلما صوّرت لنا حماقة الحطيئة: «ومن يُسوّي بأنف الناقة الذّنَبَا؟»، وكأن أنفها أشرف من ذيلها.
قلت للقلم: أراك حدت عن الجادّة، فآثرت الاستطراد. ما حدث في الولايات المتحدة، أعادنا إلى جذر معنى الديمقراطية لدى اليونانيين: «حكم الشعب بالشعب»، أي أن دفّة السفينة حين تنحرف، من داخل قمرة القيادة، فإن الرعيّة تلعب دور البوصلة.
الغاية هي ضرورة مراجعة مناهج التربية والتعليم، بإعادة الاعتبار إلى التربية، التي أهملتها أنظمة التعليم العربية. لقد وضعت كل ثقلها في التعليم، الذي هو صبّ المعلومات في الأدمغة، ونسيت شق تربية العقل الناقد الفاحص الباحث الواعي. التربية الوطنية ليست نصائح وأناشيد، هي مشاركة فعليّة بالعقول والأيدي، فيشعر الدارس أنه هو الوطن والسيادة والمصير وكرامة التراب.
لزوم ما يلزم: النتيجة الإيقاظية: العالم يتغيّر، من الموقع الذي لم يتوقّعه أحد. لكن احذروا قلب السترة!
