بصراحة، هل خطرت هذه الفكرة ببالك؟ هي ومضة ليست أكبر من فوتون أو إلكترون، لكنها كافية لإلقاء الأضواء على أربعة عشر مليون كيلومتر مربع. أنت تعرف جيّداً ما تعنيه هذه الخريطة، ومن هم الذين عليها، لكن أكثر أهلها لا يكترثون. يا ليت قومي يعلمون. يقيناً، لقد تسمّر القلم، غرّزت مركبة دماغه في تداعيات الانتخابات، لكنه، في الحقيقة، يرى أن ما حدث إنما يمثل نموذجاً فكرياً جديداً، إطاراً فكريّاً يفرض علينا النظر من خلاله إلى الواقع والوقائع. فالمسألة ليست تكراراً واجتراراً.
الفكرة المقصودة ليست وثبة شاعر ببيت قصيد، لكنها تعيد إلى الذهن ذلك المشهد الذي نستعيد إيلامه كلما تألق عربيّ في الدول المتقدمة، مثل النخبة النوبلية: المصري أحمد زويل، الأردني الفلسطيني عمر ياغي، التونسي منجي الباوندي، اللبنانيين بيتر مدوّر وإلياس جيمس. ما العمل؟ خيال الأمّة يشطح بعيداً، يريد أن تحيا تلك الأسماك النادرة، خارج بحار مراكز البحث العلمي، وإلا فما الذي ألجأها إلى أن تهجر أوطانها، وتفارق أهليها؟ الطريف المفاجئ، هو أن تلك الكائنات العبقرية، بمجرّد ظفرها بالبيئة المناسبة لتجلّي طاقاتها وكفاءاتها، تنمو لها أجنحة عنقائية لا تحدّها حدود في ملكوت العلوم.
هل وصلت الرسالة القياسية، التي تربط هذا المشهد بتداعيات الانتخابات الأمريكية؟ ذوو الأصول العربية والإسلامية، الذين أحدثوا الهزّات المدوّية والتحوّلات الباهرة، إنما هم يعيدون مشاهد إشعاع النوابغ العرب في العلوم، لكن بصياغة برلمانية سياسية. بعبارة خَطابية: لو أتاحت الأنظمة العربية للشبيبة فرص المشاركة في بناء أوطانها، ما كان كائن يستبيح، ولا يدع لحظة للشعوب أن تستريح، فهذا ذبيح وذاك جريح، وكل قلب قريح، وضمير العالم طريح بلا روح.
هل أتى أولئك من مجرّات أخرى، من أكوان موازية؟ هل رآهم أحد خُضراً ذوي عيون ضفدعية جاحظة كروية ضخمة، مع هوائيات في الرؤوس؟ أضحى منتهى آمال الشبيبة العربية جمع «لايكات» واشتراكات، في الدعايات والإعلانات للبضائع، في صناعة المحتوى. أمّا ميادين صناعة مصير البلدان، والتأثير الحقيقي في صنع المستقبل، فقد تُركت لأولئك الذين لديهم الفرص الحقيقية للمشاركة الفعلية، في الحياة العامّة.
لزوم ما يلزم: النتيجة الشعرية: هل تتذكر الشبيبة العربية قول العرجي (حفيد الخليفة عثمان): «أضاعوني وأيّ فتىً أضاعوا.. ليوم كريهة وسداد ثغرِ».
