ذهبتُ إلى متجر الساعات لأشتري ساعة جديدة لابني، ولم أكن أتوقع أن أجد هناك شيئاً من الماضي. وبين الساعات المعروضة رأيت ساعة أعرف شكلها جيداً. كانت من العلامة والطراز نفسيهما لساعة كان جدي يرتديها. اشتراها في إحدى سفراته، وكانت ثمينة بمقاييس تلك الأيام، فلم يكن يلبسها إلا في المناسبات وعندما يذهب إلى السوق. وكان يضعها في معصمه الأيمن ويقول: «نحن أصحاب اليمين».
لم تكن الساعة المعروضة ساعته، لكنها أعادت إليّ صورته. قررت أن أشتريها لنفسي، فنظر إليّ ابني مستغرباً وقال: «بتشتري هذه؟!». رويت له حكاية جدي وساعته، لكنه لم يفهم سبب اختياري. كان اسم العلامة وثمن الساعة آخر ما يشغلني. دخلنا المتجر لنختار ساعة له، فإذا بي أختار واحدة لنفسي. ولم يغيّر سؤاله رأيي، فقد كنت أريد هذه الساعة تحديداً.
عادت إليّ الأماكن التي عرفتها والناس الذين عشت بينهم، وأشياء كانت عادية حين عشتها ولم يخطر لي أنني سأشتاق إليها يوماً. كنت أنظر إلى الساعة وأرى يده اليمنى، وكيف كان يرفع معصمه لينظر إلى الوقت. حركة عادية لم ألتفت إليها يومها. لم أكن أستعيد مناسبة بعينها، بل صورة تكررت أمامي في أيام طفولتي حتى ظننت أنني نسيتها.
كان ابني يرى ساعة معروضة للبيع، بينما كنت أرى معصم جدي. وأرى أن الأشياء لا تحمل معانيها معها، بل نضع فيها ما عشناه من قبل.
ولو عدت إلى بيت طفولتي، إن كان لا يزال قائماً، فربما أمضيت فيه بعض الوقت، والتقطت صوراً، ثم عدت إلى بيتي. لا أظن أنني أريد أن أعيش كما كنا نعيش آنذاك. حتى لو بقي البيت على حاله، فلن أجد فيه الأيام نفسها، ولا الناس كما كانوا. ما أفتقده ليس البيت وحده، بل الأشخاص الذين كانوا فيه، ونفسي كما كنت يومها.
لم يكن على ابني أن يحب الساعة أو أن يفهم ما تعنيه لي. اشتريتها لأنني تذكرت جدي.
ولا أعرف إن كانت هذه الساعة ستعني لابني شيئاً بعد سنوات، لكن ربما يأتي يوم ينظر فيه إليها، فلا يتذكر جدي الذي كنت أحدثه عنه، بل يتذكر أباه الذي أصرَّ ذات يوم على شرائها.
