يعد د .سليمان العطار من أوائل من ترجموا روايات الكولومبي غابرييل غارثيا ماركيز، حيث ترجم رائعته مئة عام من العزلة قبل حصوله على جائزة نوبل في الآداب عام ،1982 لكن رقابة عمال المطابع في الهيئة المصرية العامة للكتاب حالت دون طباعة الترجمة في وقتها .
علاقة العطار بالثقافة الإسبانية تصل إلى درجة الوعي الكبير بهذه اللغة، إذ عمل مستشاراً ثقافياً لمصر في أغلب بلدان أمريكا اللاتينية، ولذا تركز اهتمامه الأكبر على حضارة الإسلام في إسبانيا .
كيف ترى المشهد الثقافي المصري قبل وبعد الثورة؟
- المشهد الثقافي المصري بعد الثورة شديد الاضطراب، وهذا الاضطراب الثقافي لم يصاحبه أي إبداع، وكان ميدان التحرير منتجاً رائعاً للإبداع الثقافي الارتجالي بالغ الامتياز، سواء كان شعراً أو مسرحيات قصيرة أو موسيقا وغناء، كل هذا تاه في بحر الاضطراب الثقافي، وقامت الفضائيات بدور غير عادي في هذه السوق، حيث تستدعي أشخاصاً تطبق عليهم فكرة صناعة النجم الأمريكية .
والآن إذا صح التعبير هناك حرية تصل إلى حد الفوضى، لأنها ليست حرية حقيقية، فهي حالة نفسية فالمثقفون كانوا يمارسون الحرية، وهم ليسوا أحراراً، ولكن نأمل أن تنتهي هذه الممارسة المصطنعة للحرية لنصل إلى ممارسة حقيقية .
كيف ترى الرواية العربية الآن، وأين تقع من الرواية العالمية؟
- بعض الناس تصوروا أن الرواية أطول من القصة القصيرة، ولكن هذا خطأ، لأن الرواية من الممكن أن تكون قصيرة جداً أو ممكن أن تكون في طول القصة القصيرة، فالرواية تعتمد على نقل شريحة معينة من المجتمع إنما القصة القصيرة ظهرت للكشف عن أهمية الفرد في المجتمع الغربي، لأنها تركز على موقف أو لحظة في حياة الفرد وهذه اللحظة تمثل أهمية كبرى .
وبالنسبة لمكانة الرواية العربية فإنها بدأت تحتل مكانة ممتازة، وبخاصة بعد حصول نجيب محفوظ على نوبل، حيث بدأ العالم ينتبه للرواية العربية، وهي تأتي في المرحلة الثانية بعد الرواية اللاتينية .
الرواية تعد أحد أهم الوسائل التي يمكن من خلالها قراءة مجتمع ما . . في رأيك هل نجحت الرواية العربية في ذلك مقارنة بالرواية الإسبانية؟
- وظيفة الرواية تنويرية وأيضاً نقدية، بمعنى أنني استطيع أن أرى وأن افهم نفسي أكثر بقراءة الرواية، باعتباري عضواً في هذا المجتمع، لكن الرواية العربية لم تؤد هذا الدور على الإطلاق، رغم عظمتها في رأيي، ورغم تقدمها، فهذا يرجع لسبب بسيط جدا وهو أننا لا نقرأ فعلى سبيل المثال الجمهور المصري لم يعرف نجيب محفوظ إلا عن طريق السينما أو التلفزيون .
هل يقوم المركز القومي للترجمة في مصر بدوره الرئيس في تحقيق التواصل الثقافي بين مصر وبقية دول العالم؟
- الترجمة كانت عنصراً من عناصر صنع الحضارة العربية الحديثة، وهي مهمة جداً، والأمة التي لا تترجم تموت، والترجمة في مصر عشوائية، حتى المركز القومي للترجمة يترجم ترجمة عشوائية، وأحياناً يضعون خطة للترجمة ولكن في الغالب يفشلون في تنفيذها، إضافة إلى إمكانات المركز الضعيفة والمحدودة التي لا تستطيع أن تقوم بالدور المنوط بها، وحتى الآن لا توجد لدينا سياسية في الترجمة فنحن نعيش مثل عمال اليومية .
ترجمت رواية مئة عام من العزلة لماركيز . . كيف ترى ما صدر من ترجمات أخرى لهذه الرواية؟
- ليس مدحاً في الذات إنما حقيقة شهد بها جميع القراء؛ فالترجمات الأخرى أطفأت العمل، فالرواية فيها لون من ألوان اللهب، وفيها أشياء لا يعرفها إلا من يفهم اللغة الإسبانية عن قرب .
وهناك نقطة أخرى وهي أن اللغة العربية بالنسبة للغة الإسبانية لغة أم و20% من جذور اللغة الإسبانية أصلها عربي، كما أن هذه اللغة اختارت البناء النحوي للعاميات العربية، وأحيانا عندما اقرأ العبارة الإسبانية أحس بأنني أقرأ اللغة العربية .
وهذه الرواية ترجمتها قبل حصول ماركيز على نوبل، وعندما حصل عليها بدأوا يبحثون عن عمل لنشره، فوجدوا هذا العمل ملقى في الهيئة المصرية العامة للكتاب، لأنني قدمته إلى صديقي صلاح عبدالصبور وأمر بنشره فوراً، وأثناء النشر جاء له عامل المطبعة، وقال له إن هذه الرواية فيها مفردات جنسية فقال: أوقفوا النشر، وبعد ذلك تم النشر .
وبالنسبة للترجمات الأخرى للرواية فهناك سر آخر وهو أن المترجمين استعانوا بالترجمتين الانجليزية والفرنسية لها .
هناك مقولة شائعة أيها المترجم، أيها الخائن هل بالضرورة أن تكون هناك خيانة للنص المترجم؟ وكيف؟
- عندما ترجمت مئة عام من العزلة فوجئت بأن الرواية فيها أمثال إسبانية كثيرة، إذا ترجمت المثل فسيكون ماسخاً لا طعم له، وبالتالي كان عندي هم شديد جداً وهو أن أفتش في الثقافة العربية عن أمثال مناظرة أو موازية، فالمترجم عليه أن يكون خبيراً جداً، بمعنى أن يفهم اللغة التي ينقل عنها ويفهم ثقافة هذه اللغة .
وعندما نتكلم عن الخيانة في الترجمة فنحن نتحدث عن ترجمة الأعمال الأدبية، أما ترجمة الأعمال العلمية فليس فيها خيانة، ولا اجتهاد من المترجم، وإنما على المترجم أن يكون متخصصاً في العلم الذي يترجم فيه .
هل الأدب اللاتيني فيه اتجاهات أدبية أخرى غير الواقعية السحرية؟
- أي تيار أدبي جديد يظهر في الغرب ينتقل إلى أمريكا اللاتينية، وهي محظوظة، بمعنى أن اللغة الإسبانية يترجم إليها كل كتاب ينشر على مستوى العالم، وليس لديهم مشكلة في الترجمة لأن كل شيء مترجم ويصلهم بقوة وهناك أحد المثقفين الذي يقول إن فتح إسبانيا أمريكا اللاتينية، إنما هو بمثابة نقل البحر الأبيض المتوسط بكل حضارته إلى أمريكا اللاتينية .
ولكنهم أيضاً ما زالوا يعيشون الواقعية السحرية بشكل مذهل، فمثلاً عندما يأتي الليل يضعون أطباقاً من الطعام فوق أسطح البيوت لأن في اعتقادهم أن أرواح الموتى من الممكن أن تأتي وتؤذيهم، وبالتالي يضعون لها الطعام لكي تبتعد عنهم .
فكرة رواية الدكتاتور التي عرفت في أمريكا اللاتينية على نطاق واسع . . لماذا لم نر روايات عربية بهذا المفهوم رغم أن الواقع هناك يتشابه مع الواقع هنا؟
- أنا عشت في أحد بلدان أمريكا اللاتينية، في ظل حكم دكتاتور قام بحل الأحزاب، لكن الأحزاب ظلت تجتمع في الميادين العامة وفي الشوارع، وقام أيضاً بمنع إصدار الصحف، فكان الناس يقومون بإصدار الصحف من دون تراخيص، وتجد كل فرد له إذاعته الخاصة يهاجم فيها النظام كما يريد، فشعوب أمريكا اللاتينية نما لديها وعي ديمقراطي منذ فترة طويلة منذ بداية القرن التاسع عشر، فمن الممكن أن يوجد دكتاتور ولكن الشعب نفسه يعي جيدا معنى الديمقراطية، وعندما كان هناك دكتاتور في إسبانيا كانوا يكتبون روايات وشعراً وأدباً بحرية كاملة، فأمريكا اللاتينية لم تحرم من الحرية قط، وكانوا لا يخشون شيئا ويكتبون، وبالتالي في عهد الدكتاتور كانوا يكتبون لأن الديمقراطية تأصلت في الفرد بشكل يدعو للدهشة، وبالتالي فوضعنا بالنسبة لأمريكا اللاتينية غير متشابه .
نجيب محفوظ تمت ترجمة روايات له إلى الإسبانية . . هل حققت هذه الروايات حضوراً كبيراً لمحفوظ هناك؟
- نعم حققت حضوراً كبيراً، فعندما كنت مستشاراً ثقافياً في إسبانيا كانوا يحبون مجاملتي، فكانوا يحدثونني عن رواية لنجيب محفوظ، فهو مقروء في إسبانيا بشكل كبير، لأن الإسبان يهتمون بالرواية العربية، فالعقل الجمعي عندهم موجود في الثقافة العربية والفكر العربي، ويعتزون جدا بما يترجم لديهم من الرواية العربية .