الخالق يقرن بر الوالدين بعبادته

هذا الدين العظيم
13:13 مساء
قراءة 7 دقائق

ألزم الإسلام الآباء والأمهات بواجبات تجاه أولادهم، وجعل التفريط فيها سببا لجلب غضب الله وعقابه وموجبا للعقاب التعزيري حرصا على حقوق الأبناء ومصالحهم التي قد تتضرر بسبب إهمال الآباء أو تفريطهم في حقوق أبنائهم . . وفى مقابل ذلك ألزم الإسلام الأبناء بواجبات مادية ومعنوية تجاه آبائهم وجعل التفريط فيها موجبا لغضب الله وعقابه فضلاً عن عقاب الدنيا الذي لا ينبغي التهاون فيه بعد أن انتشرت رذيلة العقوق وزادت آلام ومتاعب كثير من الآباء مع أولادهم بسبب عقوقهم وتمردهم .

عن فضل بر الوالدين يحدثنا الداعية الشهير الدكتور مبروك عطية الأستاذ بجامعة الأزهر فيقول: لم يأتِ حث على فضيلة في كتاب الله ولم تأتِ توصية بأمر في شريعة الإسلام كما وردت التوصية ببر الوالدين، فقد قرن الله عز وجل عبادته وعدم الشرك به ببر الوالدين فقال: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا، وقال في آية أخرى: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً . . وهناك العديد من الآيات القرآنية التي توصي الإنسان ببر والديه والإحسان إليهما حتى ولو كانا مشركين . . فالله سبحانه وتعالى يخاطب كل الأبناء بقوله: ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعلمون .

وإلى جانب الأمر العام بالبر أعلى الإسلام منزلة كل إنسان يلتزم بهذه الفضيلة، فالحق سبحانه وتعالى يشيد بكل إنسان يبر والديه ويجعل التوفيق له من أكبر النعم التي امتن بها على خاصة خلقه من الأنبياء فيقول عن سيدنا يحيى: وبراً بوالديه ولم يكن جباراً عصياً، ويقول عن عيسى: وبرا بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً . ولعظم بر الوالدين فقد فضله الله عز وجل على الجهاد في سبيله، ويظهر ذلك من توجيهات رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تقدم بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله .

آثار إيجابية

وبر الوالدين كما يقول الدكتور مبروك عطية له آثاره الإيجابية على حياة الإنسان في الدنيا قبل أن ينال جزيل الأجر والثواب في الآخرة، فالمطيع لوالديه يحظى برضا الناس وإعجابهم ويعيش سعيدا مرتاح الضمير بأداء واجبه نحو والديه ورد الجميل إليهما، وهو بلا شك يعيش سعيدا وسط أسرته ويحظى بحب أفرادها وتقديرهم له وعطفهم عليه .

وإلى جانب كل ذلك يبارك الله في عمر ورزق كل إنسان بار بوالديه، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الشريف: من سره أن يمد له في عمره، ويزداد له في رزقه، فليبر والديه، وليصل رحمه، ويقول في حديث آخر: من بر والديه طوبى له، زاد الله في عمره .

أيضا من الآثار الإيجابية لبر الوالدين في الدنيا أن يحظى الإنسان البار بوالديه بهذه النعمة في حياته، فكما تدين تدان، فكل من يبر والده سيكون جزاؤه بالمثل . . فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: بروا آباءكم تبركم أبناؤكم وعفوا تعف نساؤكم، كما أن بر الوالدين يكفر الذنوب ويزيل آثار المعاصي، فقد ذهب رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: إني أذنبت ذنبا عظيما، فهل لي من توبة؟ فقال له: هل لك من أم؟ قال: لا . . قال: فهل لك من خالة . . قال نعم . . قال: فبرها . . وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: إن بر الوالدين يكفر الذنوب الكبائر .

ومن هنا يخاطب الدكتور مبروك عطية كل الأبناء العاقين ويقول لهم: توبوا إلى الله وأسرعوا إلى التخلص من هذه الرذيلة حتى تحظوا برضا الله وعفوه . . فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رضا الله في رضا الوالد، وسخط الله في سخط الوالد . . لا تدفعوا آباءكم إلى الدعاء عليكم فدعاء الوالدين لا يرد كما أخبرنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث دعوات لا شك في إجابتهن، دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على الولد .

كيف يكون البر؟

الدكتور إسماعيل الدفتار الأستاذ بكلية أصول الدين بالأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية يشرح لنا كيف يكون بر الوالدين وكيف يجلب الإنسان لنفسه رضا الله ورضا الوالدين ورضا واحترام كل الناس فيقول: البر بالوالدين يكون بطاعتهما، وتكون هذه الطاعة بتحقيق رغبتهما، وتجنب ما يسيء إليهما وذلك لإدخال السرور على قلبي الوالدين . . والطاعة تكون فيما شرعه الله، مما فيه منفعة للوالدين، وليس فيه ضرر ظاهر على الابن، فإذا أمراه بشيء محرم كالسرقة أو الرشوة أو ترك الصلاة أو عدم صوم رمضان فلا تجب طاعتهما، بل تحرم الطاعة، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

وإلى جانب الطاعة في غير معصية الخالق عز وجل لابد من أن يكون الابن قريبا من والديه يرعاهما على أفضل ما تكون الرعاية، ولذلك قال كثير من العلماء باستحباب سكن الابن مع والديه أو بالقرب منهما لتقديم الرعاية لهما والاطمئنان عليهما باستمرار .

ومن البر بالوالدين الإنفاق عليهما خاصة إذا كانا في حاجة إلى المال ولا يوجد لديهما ما يكفي ليعيشا حياة كريمة بين الناس . . والرسول صلى الله عليه وسلم يعطي للآباء حق الأخذ من أموال أولادهم ما يكفيهم فيقول: إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا كسب أولادكم، ويقول في حديث آخر: إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم، فكلوا هنيئاً مريئاً . . ويروى أن رجلا جاء إلى أبي بكر رضي الله عنه وقال له: إن أبي يريد أن يأخذ مالي كله ولا يترك لي منه شيئا فقال أبو بكر للأب: إنما لك من ماله ما يكفيك . . فرد عليه الأب: يا خليفة رسول الله: أليس رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القائل: أنت ومالك لأبيك .

وينبه الدكتور الدفتار الأبناء إلى ضرورة احترام مشاعر الوالدين، وعدم تفضيل أحد في الحياة عليهما، ويقول: كثير من الأبناء بعد الزواج يقعون تحت سطوة ورغبات زوجاتهم ويفعلون كل ما تطلبه الزوجة حتى ولو كان معاملة الأبوين بقسوة وهذا من العقوق الذي حذر منه الله ورسوله . . فمعاملة الزوجة في إطار المودة والرحمة كما أمر الله ورسوله لا ينبغي أن تكون على حساب الوالدين .

ومن البر بالوالدين محبة أصدقائهما وأقاربهما وبرهم، فهذا السلوك من جانب الابن يفرح الوالدين، وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال: إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه .

ومن البر بالوالدين معاملتهما بالرحمة، فالله سبحانه وتعالى يقول: واخفض لهما جناح الذل من الرحمة فواجب الابن أن يسعى لإرضاء والديه بكل الوسائل المشروعة .

ومن البر بالوالدين الدعاء لهما بالرحمة . . وهذا الدعاء جعله الله في مقابل تربية الوالدين له . . قال تعالى: وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً، فالإحسان إلى الوالدين بكل الأعمال الطيبة والإنفاق عليهما وطاعتهما والسهر على رعايتهما والدعاء لهما بالرحمة هو واجب ديني على الابن أولا . . ورد للجميل ثانيا .

وبر الوالدين ليس قاصراً على فترة حياتهما، بل يمتد إلى ما بعد وفاتهما وقد سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: يا رسول الله: هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم: الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما بعد موتهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما من بعدهما .

حق ضائع

وبصوت مفعم بالحزن والأسى يؤكد الدكتور صلاح زيدان الأستاذ بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر أن حق الآباء في البر بهما والإحسان إليهما هو في حقيقة الأمر حق ضائع . . ويقول: عقوق الوالدين أصبح آفة تهدد المجتمع وتتسبب في انهياره بعد قطع صلات الرحم بين الأبناء والآباء وكذلك باقي أفراد الأسرة .

ويضيف: العاق يعرض نفسه لسخط الله وعقوبته حيث إنه يرتكب كبيرة من الكبائر . . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالها ثلاثا . قالوا: بلى يا رسول الله: قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين، كما أن العاق يغلق بابا من أبواب التوفيق في الدنيا والآخرة لأن بر الوالدين مفتاح كل خير وسبب في دفع البلاء كما جاء في الحديث عن قصة أصحاب الغار . . علاوة على أن عقوق الوالدين سبب العقوبة العاجلة في الدنيا فدعوة الوالدين مستجابة، قال صلى الله عليه وسلم: ثلاث دعوات مستجابات وذكر منها دعوة الوالد على ولده، كما أن العاق يقطع الحبل الذي بينه وبين الله وهو الدعاء فقد جاء في صحيح مسلم في خبر أويس القرني أنه كان بارا بأمه ولذلك استجيبت دعوته .

ويرى د . زيدان أن عقوق الوالدين جريمة تترك آثارا سلبية على المجتمع المسلم، فهي تؤدي إلى تفكك المجتمع الإسلامي الذي ميزه ديننا الحنيف بالتكافل كما قال صلى الله عليه وسلم: المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً . . علاوة على انتشار الأنانية وحب الذات وترك ما عند الله من الأجر والثواب بما في ذلك ضياع الحقوق والواجبات .

ويدعو المؤسسات التربوية والإعلامية والدينية المختلفة إلى أن توظف جميع إمكاناتها لتنشئة أفراد المجتمع على بر الوالدين، وهذه التنشئة يجب أن تسير على منهج تربوي قائم على تصور شرعي وعلمي يؤدي إلى نجاح تحقيق هذا الهدف .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"