كانت «صحة الأمعاء» بالكاد تذكر قبل بضع سنوات، ولكن الآن، ينفق البريطانيون وحدهم حوالي 750 مليون جنيه استرليني (972 مليون دولار) سنوياً على منتجات البروبيوتيك (المُعينات الحيوية)، وهي بكتيريا مفيدة من المفترض أن تحسّن من صحتنا. ويتناول الناس مكملات البروبيوتيك، معتقدين أنها ستساهم في زيادة مستويات البكتيريا المفيدة في أمعائهم، وستعزز من قوة مناعة الجهاز الهضمي، بالإضافة إلى تحسين التمثيل الغذائي والصحة العقلية وغير ذلك.
إلا أن دراسة حديثة، حذرت من أن الأطعمة المخمرة مثل ساوركراوت (مخلل الملفوف)، والذي يستهلك بكثرة بسبب تأثير البروبيوتيك فيه، قد يؤدي إلى أعراض مثل انتفاخ البطن والصداع والحساسية. وفي الوقت ذاته، تشير الأدلة المتزايدة إلى أن البروبيوتيك، في بعض الحالات، قد تضر بالنظام الإيكولوجي الدقيق للأمعاء.
ضعف الاستجابة للعلاج
ووجدت دراسة نُشرت هذا العام، أجراها معهد باركر للعلاج المناعي للسرطان في سان فرانسيسكو، كاليفورنيا، بالتعاون مع مركز أندرسون للسرطان في جامعة تكساس، أن المرضى المصابين بـ الميلانوما، وهو أخطر أنواع سرطان الجلد، والذين يتناولون مكملات البروبيوتيك، قلّت نسبة تجاوبهم مع العلاج المناعي، وهو العلاج الذي يحفز عمل نظام المناعة في الجسم على محاربة المرض والأورام، بواقع 70%.
ووجد الباحثون أيضاً أن تناول مكملات البروبيوتيك، كان مرتبطاً بتنوع أقل في الميكروبيوم، والذي يتكون من مجتمعات بكتيرية تعيش في الأمعاء. واكتُشف في السابق أن التنوع الأقل في الميكروبيوم، كان مرتبطاً بضعف الاستجابة للعلاج المناعي. وهذا الأمر مثير للقلق كثيراً، لأن نوع العلاج المناعي المستخدم، وهي مثبطات نقاط التفتيش المناعية لبروتين «PD-1»، فعّالة فقط مع 20% إلى 30% من مرضى السرطان، ومع ذلك فإن 42% من الذين شملتهم الدراسة يتناولون مكملات البروبيوتيك.
ونصحت الدكتورة كريستين سبينسر، الباحثة العلمية وأحد المشرفين على الدراسة، مرضى السرطان والأطباء بالتفكير بإمعان قبل استخدام البروبيوتيك، خاصة قبل البدء في العلاج المناعي.
300 نوع من البكتيريا
لكن كيف تتعارض بكتيريا البروبيوتيك مع العلاج؟ تقول كارولين لو روي، الباحثة والخبيرة في الميكروبيوم في «كينجز كوليدج» في لندن: «يوجد عادة حوالي 200 إلى 300 نوع مختلف من البكتيريا في الأمعاء البشرية. وفي العادة، كلما كان الميكروبيوم أكثر تنوعاً، كلما كانت صحتك أفضل».
لكن لو روي أشارت إلى أن نوعاً من البكتيريا الذي يكون مفيداً لحالة ما، قد يكون ضاراً لحالة أخرى، مضيفةً: «إن البكتيريا التي قد تساعد على عملية الأيض لديك، قد يكون لها تأثير ضئيل أو معدوم في استجابتك المناعية».
ووجدت دراسة أجريت في عام 2018 في مركز أندرسون للسرطان في جامعة تكساس أن المرضى الذين يخضعون للعلاج بـ مثبطات نقاط التفتيش المناعية لبروتين «PD-1»، وتكون لديهم أعداد كبيرة من البكتيريا العصوانية بالأمعاء، يتقدم المرض لديهم بشكل أسرع وتكون احتمالية بقائهم على قيد الحياة أقل.
وأضافت لو روي: «قد يمثل إدخال نوع واحد من البكتيريا عبر المكملات مشكلة، وذلك عندما يتطلب الأمر تغذية مئات البكتيريا المتنوعة في أمعائك والتي قد تكون بأمس الحاجة إليها في بعض الحالات».
وقــــد لا تقتصـــــر الآثار الضــــارة المحتملة للبروبيـــــوتيك عـــــــــــلـــى الأشــــخاص المصابين بالسرطان، فحسب، حيث تقول الدكتورة لو روي: «نحن نعلم أن فعـــالية الأدوية الشائعة مثل الميتفورمين لمرض السكري، تعتمد جزئياً على تأثيرها في الميكروبيوم في الأمعاء».
وتضيف: «قد تكون بعض البروبيوتيك تحتوي على الميكروبات الجيدة التي تساهم في تحسين الاستجابة للعلاج، لكن إذا كانت لديك سلالة واحدة من البكتيريا، فأنت بذلك تقلص المساحة التي تحتاج إليها أنواع أخرى من البكتيريا للتكاثر والتي قد يحتاج إليها جسمك في فترة معينة».
اعتقاد خاطئ
وهناك العديد من الناس الذين يتناولون مكملات البروبيوتيك بعد الانتهاء من العلاج بالمضادات الحيوية، اعتقاداً منهم بأنها ستعيد بناء مستعمرات البكتيريا الجيدة التي فنيت بسبب العلاجات.
ومع ذلك، وجدت دراسة حديثة نشرت هذا العام في مجلة "Cell" للعلوم، أن تناول مكملات البروبيوتيك في الواقع يؤخر عملية استعادة البكتيريا الجيدة في الأمعاء.
وأعطى الباحثون 21 مريضاً مضادات حيوية واسعة الطيف لمدة أسبوع. وأعطيت مجموعة منهم مكملات البروبيوتيك، في حين لم تعط المجموعة الأخرى شيئاً.
وخلُصت الدراسة إلى أن المجموعة التي تناولت مكملات البروبيوتيك مع الدواء كانت الأبطأ في التعافي، وحتى بعد مرور خمسة أشهر على تناول المضادات الحيوية، لم تعد أمعاؤهم إلى حالتها الطبيعية.
ومع ذلك، ليست كل الأخبار سيئة، حيث اعتمد المعهد الوطني للصحة وتفوق الرعاية البريطاني مؤخراً استخدام مكملات البروبيوتيك جنباً إلى جنب مع المضادات الحيوية لعلاج المطثية العسيرة أو «كلوستريديوم ديفيسيل»، التي يمكن أن تسبب إسهالاً حاداً.
هناك أيضاً أبحاث واعدة في استخدام البروبيوتيك لعلاج أمراض وحالات معينة تشمل متلازمة القولون العصبي والاكتئاب والقلق والسمنة والإكزيما.
حبوب ميكروبيوم
يختبر معهد باركر للعلاج المناعي للسرطان في سان فرانسيسكو حالياً حبوب ميكروبيوم تحتوي على بكتيريا تحاكي تكوين الأمعاء لدى أولئك الذين استجابوا بشكل أفضل للعلاج المناعي. لذا ماذا يعني ذلك بالنسبة لمستخدمي مكملات البروبيوتيك؟ تقول الدكتورة كريستين سبينسر لو روي: «تناول المكملات التي تحتوي على سلالات متعددة من البكتيريا المفيدة. وإذا كنت في شك من أمرك، حافظ على نظام غذائي متنوع».
ولكن ليست كل البكتيريا الموجودة في الجسم جيدة. حيث تقترح بعض الأبحاث أن وجود عدد زائد من البكتيريا السيئة، وعدد غير كاف من البكتيريا الجيدة، نتيجةَ تناوُل نظام غذائي غير صحي قد يدمر أجهزة جسمك، وقد يسبب عدم التوازن في زيادة الوزن، والأمراض الجلدية، والإمساك أو الإسهال، والعديد من الحالات المرضية المزمنة.