ونظام الحكم في الإسلام يعتمد على قواعد تميزه وتوضحه نظاماً مثالياً وأبرز هذه القواعد اعتماده (الشورى) طريقاً للتفاهم والتواصل بين الحاكم والمحكوم وإقرار الحق والعدل في المجتمع .
فما هي الشورى التي أرسى الإسلام مبادئها كإحدى أدوات الحكم العادل في المجتمع الإسلامي؟ وكيف تتحقق هذه الشورى بمفهومها الصحيح على أرض الواقع؟ ومن هم الذين يستشيرهم الحاكم ويأخذ برأيهم؟ وهل الشورى ملزمة للحاكم؟
الفقيه الأزهري، د . محمد رأفت عثمان، عضو هيئة كبار العلماء والعميد الأسبق لكلية الشريعة والقانون بالأزهر يعرفنا بالشورى التي أقرتها الشريعة الإسلامية، فيقول: الشورى من الكلمات الواضحة المعنى، فهي مراجعة الغير لمعرفة رأيه في أمر من الأمور، قال صاحب المصباح: "وشاورته في كذا، واستشرته: راجعته لأرى رأيه فيه" .
ويبدأ د . عثمان بتوضيح ثلاثة أمور مهمة: أولها أن الله تبارك وتعالى أمر رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالمشاورة في قوله سبحانه: "فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر" . وبين سبحانه وتعالى أن الشورى من صفات المدح لمجتمع المؤمنين الذين لهم الثواب الدائم عند الله عز وجل، قال الله تبارك وتعالى: " . . . والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون" . وقد بين العلماء الفائدة من أنه سبحانه وتعالى أمر رسوله بالمشاورة مع أنه مؤيده وموفقه، واجتهدوا في بيان هذه الفائدة على وجوه عدة، أبرزها أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالمشاورة لأنه إذا شاور أصحابه أشعرهم بعلو قدرهم وسمو منزلتهم، وذلك يقتضي شدة محبتهم له وإخلاصهم في طاعته والانقياد له، ولو لم يستشرهم لظنوا في ذلك إهانة لهم، فتحصل منهم الفظاظة وسوء الخلق .
كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان أكمل الخلق عقلاً وأعظمهم قدراً إلا أنه ليس بعيداً أن يخطر ببال أحد الناس من وجوه المصالح ما لا يخطر بباله صلى الله عليه وسلم، وبخاصة في أمور الدنيا التي قال عنها صلى الله عليه وسلم: "أنتم أعرف بأمور دنياكم"، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: "ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم" . وقال الحسن البصري وسفيان بن عيينة إن الرسول عليه الصلاة والسلام إنما أمر بالمشاورة ليقتدي به غيره وتصير طريقة حسنة متبعة في أمته .
ويوضح د . عثمان أن العلماء متفقون على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن من الجائز له أن يستشير الأمة فيما نزل به الوحي من عند الله تبارك وتعالى للقاعدة الشرعية المقررة، وهي أنه (لا اجتهاد مع النص) فإذا وجد نص قاطع بالحكم في مسألة من المسائل لا يحتمل غير معنى واحد، فإنه لا رأي لأحد بعد بيان النص للحكم .
هل هي واجبة؟
وإذا كان الرسول مأموراً بالشورى وكان جائزا له أن يستشير في جميع الأمور عدا ما نزل فيه الوحي . . فهل أمر الله سبحانه لرسوله بالمشاورة في آية: (وشاورهم في الأمر) دال على وجوب المشاورة عليه، أم أن الآية لا تفيد وجوب هذه المشاورة عليه صلى الله عليه وسلم؟
يقول د . عثمان: هناك رأيان حكاهما فخر الدين الرازي، فبعد أن قال: "ظاهر الأمر للوجوب، لأن قوله تعالى: "وشاورهم في الأمر" يقتضي الوجوب . نقل رأي الإمام الشافعي، وهو أن الأمر في الآية الكريمة محمول على الندب، وأن الشافعي قال: هذا كقوله صلى الله عليه وسلم: "البكر تستأمر في نفسها" ولو أكرهها الأب على النكاح جاز، لكن الأولى ذلك تطييباً لنفسها، فكذا في هذه الآية .
ونحن نميل إلى ما يراه الإمام الرازي، لأن القاعدة الأصولية التي استقرت عند جماهير علماء أصول الفقه أن الأمر يفيد الوجوب، إلا عند وجود قرينة تمنع من صرفه للوجوب إلى الندب أو الإباحة أو غيرهما ولا توجد قرينة هنا حتى يمكن أن يقال إن الأمر محمول على الندب . فالنظير الذي ذكره الإمام الشافعي لقول الله تعالى: "وشاورهم في الأمر" وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "البكر تستأمر في نفسها" ولو أكرهها الأب على الزواج جاز له ذلك عند الإمام الشافعي لم يسلم به مخالفوه، وعلى ذلك فإننا نستفيد الوجوب في قول الله تبارك وتعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم: "وشاورهم في الأمر"، فيكون الرسول صلى الله عليه وسلم مأموراً- أمر وجوب- بالمشاورة، وإذا كان الرسول قد أمره الله تبارك وتعالى بالمشاورة فأي رئيس للدولة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مأمور بها من باب أولى، وعلى هذا تكون الشورى هي إحدى القواعد التي يرتكز عليها نظام الحكم في الإسلام، بجانب القواعد الأخرى، وهي حفظ الدين والعدل واستمداد الرئاسة العليا من مبايعة الأمة ممثلة في أهل الحل والعقد، وهم العلماء والقادة، ومسؤولية الرئيس الأعلى للدولة، فهذه هي القواعد الخمس التي يعتمد عليها نظام الحكم الإسلامي، والشورى من أهم قواعده ومن أبرزها .
وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى بتطبيقه مبدأ المشاورة في أسمى معانيه، والوقائع الكثيرة شاهدة بأن الرسول قد نزل عن آرائه أخذا برأي غيره، وقد سار على نهجه الخلفاء الراشدون الأربعة، أو رؤساء الدولة الإسلامية الأربعة الذين تولوا رئاسة الدولة على التعاقب بعد رسول الله وهم: (أبو بكر وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب) حيث ساروا على مبدأ الشورى، والتزموا العمل به، فكانت الأمور التي بين القرآن أو السنة حكمها، يسيرون فيها على ما أمر الله ورسوله، وأما المسائل التي تعنّ لهم وليس في القرآن والسنة حكم خاص بها، فإنهم كانوا يلجأون فيها إلى عقد مجلس للشورى للنظر فيما يحدث من هذه الأمور .
تطبيق مرن
لم يحدد الإسلام طريقة معينة للشورى لا يصح سواها، وإنما ترك ذلك - كما يؤكد عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر - للمسلمين أنفسهم يختارون ما يتناسب مع ظروفهم وعصرهم، وذلك لأن شريعة الإسلام هي الشريعة التي ختمت سائر الشرائع الإلهية التي أنزلها الله تبارك وتعالى لهداية البشر، ومن الطبيعي والبديهي إذا كانت شريعة الإسلام هي الشريعة الخاتمة التي لن يرسل الله رسولا بدين بعدها، أن يكون من خصوصيتها أن يكون في أحكامها ما يبين الحكم الشرعي لكل نوع من أنواع السلوك الإنساني فلا تترك شريعة الإسلام أي سلوك من سلوكيات الإنسان إلا وتبين الحكم الشرعي فيه .
ولكن لأن الوقائع والقضايا والأحداث غير محدودة والنصوص محدودة، فإننا وجدنا الشريعة الإسلامية تبين الحكم بالتفصيل في الأمور التي لا تتغير فيها وجوه المصلحة من عصر إلى عصر، كتقسيم التركات على شكل معين، وهذا الشكل من التقسيم مبين في كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يتركه لاجتهادات البشر، وكالعقوبات التي علم الله عز وجل أنه لا يدرأ الجرائم غيرها، وهي ما يسميه العلماء بالحدود، وكحقوق الزوج وحقوق الزوجة وواجبات كل منهما، ونظام الوصية وما ماثل هذا .
وأما الأمور التي تتغير فيها وجوه المصلحة في التفاصيل من عصر إلى عصر، فإننا نجد دين الإسلام يبين فيها الأصل العام، والقواعد العامة التي تنظم نواحي حياة الإنسان وأنشطته في الاقتصاد، ومعاملات الناس والسياسة، والحكم والعلم والفكر والسلام والحرب وسائر مناحي حياة الإنسان وحركته في المجتمع البشري، حيث تؤصل الشريعة في هذه المجالات قواعد عامة تقصد إلى تحقيق مصالحهم الدنيوية والأخروية، وتترك للناس لتحقيق ذلك حرية اختيار الصورة الملائمة لهم . ويتجلى ذلك مثلاً في إيجاب الإسلام أن تتحقق العدالة بين الناس، فالدولة الإسلامية ترتكز على قواعد إحداها العدل . ولكن كيف يتحقق العدل؟
لم يحدد الإسلام للناس شكلاً معيناً لنظام في القضاء يتبعونه، بل أوجب على المسلمين أن يقيموا القضاء بينهم، على أي صورة كان ذلك القضاء، مادام الغرض المنشود قد تحقق، وهو تحقيق العدل بين الناس .
فالخليفة الأول أبو بكر رضي الله عنه مثلاً وجد نفسه ملزماً بالعمل على تحقيق مبدأ الشورى الذي أوجبه القرآن وطبقته السنة الشريفة، فلجأ رضي الله عنه بغريزته إلى اختيار جماعة الشورى التي يستعين بها في البت في الأمور المهمة من الزعماء الذين يقودون قبائلهم وبطونهم، وبخاصة أن منهم الأفاضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن على أبي بكر رضي الله عنه إذا حزب المسلمين أمر إلا أن يدعو كبار الصحابة ورؤساء القبائل والبطون فيجتمع لديه مجلس للشورى يعرض عليه ما يريد من أمور .
الانتخاب أم التعيين؟
ظلت هذه الصورة البسيطة كما هي طوال مدة رياسة الخلفاء الراشدين، فلم يجدوا الحاجة الماسة إلى تغيير هذا الشكل لمجالس شوراهم .
إلا أنه بعد أن تغير حال المجتمع الإسلامي عما كان عليه أيام الخلفاء الراشدين فإنه يثور الآن سؤال هو: ما وسيلة تحقيق هذا المبدأ الذي دعا إليه الإسلام؟ هل تكون بتكوين مجلس للشورى نتيجة انتخاب عام يشترك فيه كل البالغين العقلاء من أفراد الأمة؟ أم يكون تكوين مجلس الشورى بتعيين من رئيس الدولة، حيث يختار أفراده من التخصصات المختلفة مراعيا مصلحة الدولة في هذا الاختيار؟ أم يكون مجلس الشورى خليطا بين الانتخاب والتعيين، فيكون الأصل هو الانتخاب ومن حق رئيس الدولة أن يعين من يراه كفئا لشغل مكان في هذا المجلس في حدود نسبة يحددها الدستور؟ أم أنه يصح ألا يشكل مجلس للشورى، وعلى رئيس الدولة أن يستشير أهل التخصص في الأمور المهمة للدولة؟
يرى د . عثمان أن تشكيل مجالس للشورى بالانتخابات فقط ليس وسيلة مأمونة لما هو معروف من عيوب لنظام الانتخاب، ولكن من الأفضل أن يكون بعضهم بالانتخابات الحرة النزيهة وبعضهم بالاختيار الصحيح من رئيس الدولة، أو من يمثله من لجان نزيهة تختار الأعضاء بناء على فضلهم وعلمهم وخبرتهم وتقدمهم على من عداهم في النواحي التي سيستشارون فيها .
التزام الحاكم آراء المستشارين
وإذا اجتمع مجلس الشورى للنظر فيما يجب اتخاذه إزاء مسألة من المسائل، فما هو السلوك الذي يسلكه رئيس الدولة بعد أن ظهرت أمامه آراء مجلس الشورى؟
يجيب د . عثمان قائلاً: الإمام ابن تيمية قال في الإجابة عن هذا السؤال المهم: إذا استشارهم فإن بين له بعضهم ما يجب اتباعه من كتاب الله أو سنة رسوله، أو إجماع المسلمين، فعليه اتباع ذلك، ولا طاعة لأحد في خلاف ذلك وإن كان عظيما في الدين والدنيا، وإن كان أمراً قد تنازع فيه المسلمون فينبغي أن يستخرج من كل منهم رأيه، فأي الآراء كان أشبه بكتاب الله وسنة رسوله عمل به كما قال الله تعالى: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً" .
ومن هذا يتبين أن الحاكم في رأي ابن تيمية ليس ملزما باتباع آراء المشيرين إلا في هذه الحدود المبينة، فإذا لم يكن من هذه الآراء ما هو مستند إلى نص من كتاب الله أو سنة رسوله، أو إجماع المسلمين، فإن ابن تيمية يرى أن لرئيس الدولة أن يخالف آراء المستشارين، ويتبع ما هو في نظره متفقا مع الأهداف العامة للإسلام محققا المصلحة العامة حسب ما يمليه عليه دينه، من غير أن يكون الدافع له إلى اختيار رأي بعينه غرض أو هوى في نفسه، وإنما يراعي في هذا الاختيار حق الله وحق الأمة .
وفي المسألة رأي ثان يراه كثير من المعاصرين هو أن رئيس الدولة ملزم باتباع ما يراه المستشارون، فيجب عليه أن ينفذ ما أجمعوا عليه أو ما قال به جمهورهم، وهو الرأي الذي نراه .
وهناك رأي ثالث يذهب إلى أن الضابط في ذلك هو ما تراه الأمة، فإن كانت قد جعلت الأمر إلى رئيس الدولة مطلقاً وأعطته حق الانفراد بالرأي كان له ذلك، وإن كانت قد رأت أن رئيس الدولة ليس له أن يخالف أكثرية مجلس الشورى كان من واجبه أن يتقيد بذلك .