أكد عدد من الصناعيين والخبراء الاقتصاديين أن توجه بعض الاستثمارات الصناعية الإماراتية إلى الخارج لا سيما الدول المحيطة والمجاورة محكوم بعدة أسباب ولا يمكن أن ينطوي عليه سبب واحد بذاته . وأوضحوا أن هذا المسلك يعد واحداً من التوجهات الاستراتيجية التي تتبناها العديد من المؤسسات وقطاعات الأعمال الإماراتية من القطاعين العام والخاص .
قال الصناعيون والخبراء إن البحث عن مصادر تقوية للموارد الأولية للصناعة هو أحد أهم الأسباب، فمحدودية القاعدة الصناعية في الدولة عامة وفي إمارة دبي بشكل خاص مع هذه الفوائض المالية التي تشكلت نتيجة للطفرة الاقتصادية الكبيرة ولارتفاع أسعار النفط، فمع استبعاد الصناعة الاستخراجية التي تعتمد بشكل أساسي على المشتقات النفطية تعد الصناعة الإماراتية والتحويلية منها متواضعة جداً مقارنة بدول المنطقة لا سيما السعودية . ويعود ذلك إلى الافتقار إلى المواد الخام والأيدي العاملة، وبالتالي فرؤوس الأموال المحلية تجد في الاستثمار الخارجي في الدول المجاورة خاصة الفرصة الأنسب لتحقيق العوائد الربحية المجزية وذلك على الرغم من المرونة التي تقدم للمستثمرين داخل الدولة، فالمغريات الأساسية في دول الجوار أكبر .
وأشاروا إلى أن الاقتراب من الأسواق هو أحد أهم الأسباب لتوجه الاستثمارات الصناعية إلى الدول المجاورة كذلك فليس سوق المواد الأولية هو الذي يجذب المصنع، فالصناعة تحتاج إلى أسواق لتصريف المنتجات النهائية وبالتالي فمرونة الحركة والتجارة من دولة الإمارات لا تكفي لتغطية كافة الأسواق المطلوبة والعامل الجغرافي مهم جداً ويشكل أحد عوامل التوفير في العمالة وفي أجور الشحن خاصة مع الارتفاعات الكبيرة التي شهدتها أسعار النفط .
وأضاف الخبراء أن التوجهات الاستراتيجية لبعض إمارات الدولة لا تنطوي على آليات وخطة واضحة تتعلق بتنمية أو تقوية القطاع الصناعي، إلا أن البعض منهم رأى أن البيئة الصناعية الإماراتية مناسبة جداً للاستثمار لا سيما في المرحلة المقبلة حيث ستشجع التعديلات القانونية الخاصة بالقطاع الاستثمارات والشراكات الأجنبية المواطنة خاصة مع تعديل قانون نسبة ال 51% لرأس المال المواطن مقابل 49% للأجنبي .
التكامل الإقليمي
قال الخبير الاقتصادي عرفان الحسيني تشكل الاستثمارات الخارجية عموماً أحد التوجهات الاستراتيجية التي تبنتها العديد من مؤسسات الأعمال الإماراتية سواء من القطاعين العام والخاص . كما تندرج هذه الظاهرة في ظل حرية النشاط الاقتصادي التي تتمتع بها هذه المؤسسات، لاسيما في إطار العولمة والتكامل الاقتصادي الإقليمي .
وأشار إلى أن وجود هذا النوع من الاستثمارات في دولة الإمارات يعود إلى عدة أسباب كمحدودية القاعدة الصناعية في الدولة بعامة وإمارة دبي بخاصة . وباستبعاد الصناعة الاستخراجية (النفط والمعادن)، تعد الصناعة التحويلية في الدولة متواضعة مقارنة حتى ببعض دول المنطقة وخاصة السعودية، لأسباب عدة ترتبط بمدى توافر المواد الخام والأيدي العاملة والمنافسة العالمية (وخاصة الآسيوية) وغيرها . وبالتالي فإن رؤوس الأموال المحلية الفائضة قد لا تجد بيئة استثمارية صناعية مشجعة داخل الدولة، الأمر الذي تضطر معه للهجرة إلى خارجها . وبالمقابل، قد تمتلك الدول التي تستقبل الاستثمارات الإماراتية قاعدة صناعية أو ظروفاً مؤاتية للاستثمار في مختلف المجالات الصناعية، من قبيل توفر الأيدي العاملة الفنية الماهرة، وتوفر المواد الأولية، ومزايا الموقع، علاوة على التشريعات وغيرها .
ويرى الحسيني أن التوجهات الاستراتيجية للعديد من إمارات الدولة وخاصة دبي لا تتضمن آليات واضحة باتجاه تقوية المجالات الصناعية مقارنة بالقطاعات الأخرى بحيث تتحول الدولة أو بعض تلك الإمارات إلى واجهات صناعية، فمثلاً أن وزن قطاع الخدمات في الناتج المحلي الإجمالي لدبي يشكل حوالي ضعف وزن القطاع الصناعي . على أنه يستثنى من ذلك إمارة أبوظبي التي شرعت في الآونة الأخيرة بالولوج إلى العديد من المجالات الصناعية الضخمة وان كانت تنسب معظمها إلى الحكومة .
وأوضح عرفان الحسيني أن المعرفة الفنية في المجال الصناعي في الدولة تعد متواضعة . ذلك لأن التطور الاقتصادي للإمارات قد اعتمد كثيراً على المجال التجاري والخدمات المالية والمصرفية فضلاً عن القطاع النفطي، وبالتالي لا توجد مؤسسات ونخب متخصصة في المجال الصناعي .
وأضاف أن تواضع الأطر التشريعية والقانونية التي تنظم الصناعة على المستوى الوطني، بما في ذلك التشريعات المتصلة بالاستثمارات الأجنبية في قطاع الصناعة يدفع باتجاه هذا النوع من الاستثمارات .
مقومات الصناعة
ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد البنا إن عملية الاستثمارات الصناعية في الخارج لها مقومات وأسباب عديدة، وأحد أهم هذه الأسباب هو التواجد في منطقة المواد الأولية وتوفرها، أو لسهولة نقل المواد الأولية للمنطقة المستثمر بها صناعياً، والسبب الثاني هو محاولة الاقتراب من الأسواق باعتبار تواجد هذه المصانع في أماكن معينة يجعل قدرتها على تغطية الأسواق المختلفة أكبر، ويجعل العملية نفسها أكثر مرونة وسهولة من الانطلاق إلى هذه الأسواق من سوق أو من منطقة واحدة .
وأشار البنا إلى أن عملية حساب التكاليف من كافة النواحي قد تكون أجدى في بعض الأسواق، سواء من ناحية اليد العاملة أو تكاليف النقل بالنسبة للمواد الأولية أو بالنسبة لنقل المواد المنتجة، وبالتالي فإن عملية التقليل من التكاليف هي من أهم الأسباب في التوجه إلى افتتاح مصانع أو فروع للمصانع المحلية في الخارج .
أما الحديث عن الهروب من التضخم الذي يعاني منه البلد فليست له أية دلالة، وربما ندرج هذا البند تحت قضية التقليل من المصاريف، وبالتالي البحث عن امكانية منافسة منتجات هذا المصنع أو ذاك في الأسواق من ناحية السعر بشكل أكبر بالإضافة إلى المنافسة من ناحية الجودة .
وأضاف أحمد البنا أن البيئة الصناعية الإماراتية مناسبة جداً للاستثمار وليس هناك من داع للهرب كما يقال، فالفترة المقبلة ستشهد مزيداً من الاستثمارات الأجنبية في القطاع الصناعي خاصة مع تعديل قانون الاستثمار الصناعي وتغيير نسبة ال 51% للمواطنين مقابل 49% للأجبني ليصبح القانون أكثر مرونة وجذباً للصناعيين من كافة الأنحاء .
السيولة الفائضة
وقال علي الشيراوي المدير التنفيذي لكل من شركة الغزال للأعمال الحديدية وشركة الواحة للصناعات المعدنية وشركة الشيراوي للتجارة عضو مجلس مجموعة شركات الشيراوي إنه لا يمكن أن نقول إن هناك سبباً محدداً بذاته لتوجه الاستثمارات الصناعية إلى دول في الخارج، مشيراً إلى أن ذلك يعود إلى عدة أسباب أهمها محاولة اقتراب الصناعيين من الأسواق التي تتوافر فيها المواد الأولية وأماكن تصريف المنتجات بالإضافة إلى البحث عن مرونة في نقل المواد سواء كانت مواد أولية أو مصنعة، وفي كل هذه الأمور مكاسب منها توفير في تكلفة النقل وتوفير في كافة المصاريف التشغيلية .
وأشار الشيراوي إلى أن نمو حركة الاستثمارات الصناعية الإماراتية في أسواق المنطقة والتوجه إلى الخارج يكون أحد أسبابها التضخم الحاصل في البلد من كافة النواحي والذي أدى إلى ارتفاع أسعار المنتجات وبالتالي أدى إلى تحجيم دور المصانع المحلية على المنافسة بقوة أو إلى منافستها على حساب تقليل الهامش الربحي، ودفع هذا الأمر العديد من الصناعيين إلى البحث عن الفرص الأفضل لتحقيق هامش ربحي أكبر .
وأضاف علي الشيراوي أن توفر الكثير من السيولة في أيدي المستثمرين دفع إلى التوسع في الاستثمار في دول متعددة من المنطقة والعالم وفي كافة المجالات كان أحدها الاستثمار في القطاع الصناعي .
الحلول الاقتصادية
ويشير عبدالرحمن المطيوعي رجل الأعمال ومدير عام غرفة تجارة وصناعة دبي سابقاً إلى أن الحلول الصناعية يجب أن تتم بناء على دراسة اقتصادية شاملة بعيدة عن الحلول الترقيعية ليتم من خلالها تشكيل عوامل جذب للاستثمارات، مؤكداً أنه لا يمكن أن يكون الحل في دولة الإمارات أو في غيرها من الدول المحيطة حلاً فردياً داخلياً، لأن نجاح أي صناعة يتطلب توفير عوامل الإنتاج والأراضي الخصبة لإقامة استثمارات صناعية، من توفير رأس المال والعمالة والتكنولوجيا بالإضافة إلى المواد الأولية والتكنولوجيا، وبالتالي فإن أكثر الدول لا يتوفر فيها كافة عوامل الإنتاج وعلى سبيل المثال الدول العربية، فبعضها تتواجد ضمنها الأراضي الصناعية والمواد الأولية والعمالة الرخيصة وبعضها الآخر كالإمارات مثلاً تتوافر فيها رؤوس الأموال وإمكانية استقدام التكنولوجيا، لذلك فالحل لن يكون إلا من خلال ايجاد نوع من التكامل بين هذه البلدان .
وأضاف عبدالرحمن المطيوعي أن توجه بعض المستثمرين الصناعيين في الإمارات إلى الاستثمار في بلدان أخرى، هو أمر طبيعي فمصلحة أي مستثمر تقتضي أن يبحث عن المناخ الاستثماري الأفضل الذي تتواجد فيه المواد الأولية والعمالة الرخيصة بالإضافة إلى قربها من الأسواق، مشيراً إلى الفاتورة الإنتاجية التي تضخمت كثيراً في دولة الإمارات في الفترة الأخيرة ما دفع المستثمرين إلى البحث عن الفرص الأفضل فقد تضاعفت أسعار المواد الأولية حتى في بلدانها الأساسية وارتفعت أسعار النفط ما أثر في أسواق وأسعار الشحن والنقل سواء كان نقل المواد الأولية أو المصنعة فكان الخيار بأن يكون الصناعيون قريبين من الاثنين .
وثمن المطيوعي الخطوة التي قامت بها الإمارات مؤخراً بالعمل على استثمار أراض في السودان لدعم مخزونها بالمواد الأولية ولتنمية الصناعة القائمة على المواد الزراعية، مؤكداً أن هذه الخطوة هي من أهم الخطوات التي اتخذت في المنطقة على طريق التكامل الاقتصادي وعلى طريق توفير الخامات اللازمة لأية صناعة وتوفير رؤوس الأموال اللازمة في أي بلد .