تستمر تساؤلات الاقتصاديين والخبراء حول إصرار الدول الخليجية والإمارات على استمرار ربط عملاتها بالدولار الأمريكي الذي سجل الفترة الماضية هبوطاً أمام العملات الرئيسية الأخرى، الأمر الذي يرفع تكلفة الواردات من بلدان الاستيراد الأساسية .
وما زال الجدل مستمراً حول الهدف من الاحتفاظ باحتياطات نقدية من الدولار تتجاوز في معظم هذه البلدان 75% والذي أدى بطبيعة الحال الى ما يسمى التضخم المستورد الذي يزيد تكلفة المنتجات ويرتب أعباء إضافية على المستهلك الذي يتحمل وحده كل فاتورة الغلاء .
يرى عدد من الخبراء أن التضخم المستورد له تأثير كبير جداً في القطاعات الاقتصادية المختلفة، ويتضاعف هذا التأثير عند الحديث عن الصناعة باعتبار أن كل ما يخص هذا القطاع من أدوات ومعدات ومواد أولية ومستلزمات إنتاج معظمها مستورد، مشيرين الى أن الواردات الصناعية تأتي في معظمها من أوروبا ومن اليابان، وأن انخفاض الدولار كان بشكل أساسي أمام العملات الأساسية، خاصة اليورو والين والجنيه الاسترليني . وبالتالي فاستيراد أي شيء من الدول الأوروبية أو اليابان أو حتى غيرها من الدول التي لا ترتبط عملتها باليورو أصبح يتطلب تحويل كم أكبر من العملة المحلية الدرهم أو من الدولار الى هذه العملات مما يرفع تكلفة الإنتاج وبالتالي أسعار السلع والمنتجات النهائية .
ويشير الخبراء الى أن الصناعة خسرت الكثير جراء انخفاض سعر صرف العملات، واستحضار ما يسمى التضخم المستورد فارتفعت التكاليف التشغيلية والإنتاجية للعديد من الصناعات الى حدود ال 30%، وتسبب ذلك في فقدان عدد من المنتجات الوطنية جزءاً من قدرتها على المنافسة وتحميل المستهلك جزءاً من الارتفاعات السعرية، بالإضافة الى انخفاض الهوامش الربحية للقطاع الصناعي المحلي .
زيادة التكاليف
يقول عماد ذبيان مدير عام مصنع ذبيان للألمنيوم إن معظم المواد التي يتم استيرادها لمصنع ذبيان هي من السوق المحلي من موردين محليين، ولكن ارتفاع الأسعار عالمياً وارتفاع تكاليف الاستيراد متأثرة بأمور عدة، خاصة أسعار الصرف، أدى الى قيام الموردين برفع الأسعار، وبالتالي أصبحنا نتحمل كمصنعين فاتورة هذه الزيادات . وهذا الأمر ينطبق على كل القطاعات الصناعية .
وأوضح أن انخفاض سعر صرف الدولار ومن ورائه الدرهم مقابل العملات العالمية الأخرى أدى الى مضاعفة تأثير ارتفاع الأسعار العالمية، حيث ارتفعت التكاليف الإنتاجية ووصلت في قطاع صناعة الألمنيوم نحو 30% عام ،2007 وهذا على الأرجح حال باقي القطاعات، وبقيت الأسعار ترتفع تدريجياً في 2008 ولكن ليس بنفس النسبة أو القفزة التي شهدتها عام 2007 .
وأكد عماد ذبيان أن التأثير لسعر الصرف لم يكن فقط على التكاليف الاسترادية أو الإنتاجية المباشرة بل أثّر في العمالة في القطاع الصناعي وأدى الى الحاجة لرفع الأجور للحفاظ على العمالة والخبرات، وقد كانت الزيادات في الأجور كبيرة، خاصة بالنسبة للمهندسين والخبراء، حيث تراوحت ما بين 60 الى 100%، وارتفعت أجور العمالة العادية بنسب تزيد على 10% وهذا كله ينصبّ على تكلفة المنتج النهائي ويتحمله المستهلك كما يؤثر في تنافسية المنتج الصناعي المحلي .
أكبر المتضررين
وقال محمد خالد الداعور رئيس مجموعة ممثلي قطاع تجارة الأدوية والأدوات الطبية في غرفة تجارة دبي: انعكس ارتفاع سعر صرف العملات، خاصة العملة الأوروبية مقابل الدولار، وبالتالي الدرهم سلباً مما أدى الى ارتفاع سعر مستلزمات الإنتاج المصدرة من الدول الأوروبية وهذا الارتفاع يؤدي بشكل تلقائي الى غلاء جميع بنود الواردات من تلك الدول سواء كانت خدمات أو مواد جاهزة أو مواد أولية ومعدات صناعية وقطع غيار، وحيث إن هذا الغلاء ليس بسبب زيادة القيمة البيعية للمادة أو للخدمة المستوردة بل العامل المسبب له هو ارتفاع سعر الصرف، فإنه يخفض من قدرة العملة المقابلة كمقياس للقيمة ويؤدي الى تضخم حقيقي في الأسواق المستوردة من دون إضافة قيمة حقيقية تقابله للمادة المستوردة، وهذا التضخم يؤثر سلباً في القدرة الشرائية للدول المستوردة وفي القدرة البيعية للدول المصدرة .
وأكد محمد الداعور أن هذا الأثر يكون أبلغ وأشد على القطاع الصناعي، فإذا افترضنا أن مستورد المواد جاهزة التصنيع سوف يلجأ الى تجاوز سعر الصرف الى الشراء من دول أخرى تتخذ من الدولار عملة لها، فإن الصانع غير قادر على ذلك بالمرونة نفسها، فإذا كان الصانع قد أنشأ صناعته بأدوات ومعدات وخدمات وأوليات مستوردة من دولة أوروبية مثلاً أو بتقنية أوروبية، فاستمرار المصنع بالمصدر ضروري لاستمرار صناعته . وبالتالي سيتعرض الى زيادة في تكلفة المواد والخدمات تزيد على الزيادة في سعر الصرف نظراً لارتفاع الخدمات الأخرى أيضاً نتيجة لسعر الصرف . وبالتالي يلجأ المصنع الى زيادة سعر المنتج مما يقلل من فرص المنافسة .
وأضاف أن التضخم الوارد الناتج عن تقلبات سعر الصرف يزداد شدة مع ارتفاع سعر صرف العملات الأجنبية مقابل العملة المحلية ارتفاعاً عكسياً مع نسبة القيمة الصناعية المضافة، فكلما كانت القيمة الصناعية المضافة محلياً أكبر قلت نسبة التكلفة المستوردة وقل التضخم المستورد والعكس صحيح، أضف الى ذلك أن التقلبات الحادة في سعر الصرف يزيد من المتاجرة بالعملات ويوسع أبواب المضاربة فيها مما يضعف الثقة بالعملة من حيث دورها كمخزن حقيقي للقيمة ومقياس موثوق للمنفعة التي يجعلها سلعة تتعرض للمضاربة .
تأثير مباشر
أشار الخبير الاقتصادي، عرفان الحسيني، الى أن التضخم المستورد هو الموجود خارج الدولة، وينتقل الى الداخل عن طريق سعر الصرف، فمع انخفاض قيمة الدولار وارتباط الدرهم به ارتفعت قيمة البضائع المسعرة بغير عملات، خاصة إذا كانت البضائع مستوردة من أوروبا، وكان تأثير هذه الأزمة مباشراً في كل القطاعات التي تعتمد الاستيراد في إحدى مراحلها أو جوانبها، خاصة على القطاع الصناعي الذي يعتمد في جميع أموره على أدوات ومعدات وكذلك على مواد أولية معظمها مستورد، خاصة من أوروبا فحتى يتم الاستيراد منها يجب أن يتم تحويل كميات كبيرة من النقود فإذا كانت سلعة ما أو آلة ما في أوروبا سابقاً ب 10 آلاف يورو فإن المستورد المحلي كان يُصرف مثلاً مبلغاً قدره 11 ألف دولار مثلاً، أما الآن فأصبح المستورد يدفع حوالي 13 ألفاً أو أكثر وبالتالي فالبضائع الأوروبية أصبحت غالية على التاجر .
وأوضح عرفان الحسيني أن التجارة الإماراتية وتكلفة القطاعات والصناعة على رأسها أصبحت مكلفة جداً، خاصة أن أكثر الواردات المحلية قادمة من بلدان اليورو ومن عدد من دول آسيا ذات العملات غير المرتبطة بالدولار .
وقد زاد من تأثير التضخم الوارد ارتفاع أسعار المواد في بلدانها أساساً متأثرة بالنمو، خاصة في البلدان التي نقوم بالاستيراد منها .
وأكد الحسيني أهمية معالجة هذه الأزمة لما فيها من فائدة للقطاع الصناعي ولكل القطاعات الأخرى، وبأسرع وقت من خلال دراسة موضوع إعادة تقييم الدرهم أمام الدولار .
الاستيراد البديل
قال الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد البنا إنه عندما نتكلم عن التضخم المستورد فعلى رأس القائمة المسببة له يأتي ضعف الدولار، وبما أن الدرهم مرتبط به، فهذا يزيد من تكاليف السلع المستوردة من جميع دول العالم عدا الولايات المتحدة، خاصة إذا كانت هذه السلع مستوردة من أوروبا صاحبة اليورو، مشيراً الى أن شأن القطاع الصناعي من هذا التضخم هو شأن باقي القطاعات الاقتصادية .
وأشار الى أن ما يزيد من هذا التضخم الوارد هو ما يقوم به المصرف المركزي من تخفيض لأسعار الفائدة كلما لجأ المركزي الأمريكي الى خفض أسعار الفائدة، فهذا الأمر في أمريكا منطقي، لما يحتاجه السوق من سيولة لتفادي الكساد، أما عندنا فالأمر معاكس والسوق والاقتصاد في حالة نمو كبير وأي خفض لأسعار الفائدة إنما يؤدي الى ارتفاع الأسعار والتضخم .
ومما زاد من أزمة الصناعة هو ارتفاع أسعار النفط والمشتقات النفطية التي نستوردها بالرغم من كوننا بلداً نفطياً .
وأما عن الحلول فيرى البنا أن الحلول لا يمكن حصرها في بند واحد، خاصة بالنسبة للتضخم المستورد، فالعمل على إعادة التقييم للدرهم بالدولار، ليس هو الحل الوحيد أو الكافي للخروج من الأزمة، خاصة بالنسبة للصناعة، وبالتالي لا بد من العمل على فتح باب الاستيراد البديل والتوجه عن البضائع الأوروبية الى غيرها من السلع المثيلة في الدول الآسيوية، بالإضافة الى وضع استراتيجيات لزيادة مخزون للسلع الأولية والرئيسية، بالإضافة الى العديد من الخطوات الأخرى .