خالد الجلاف: معظم الخطاطين حرفيون

الفنون بوابة للمستقبل
00:13 صباحا
قراءة 7 دقائق

اكتسب فن الخط العربي في السنوات الأخيرة مكانة مهمة في المشهد الإماراتي، وقد صار لهذا الفن ملتقياته الدائمة، وأماكن خاصة لتعلمه مثل معهد الخط في الشارقة، ومتحف متخصص به هو متحف فن الخط العربي، وبرزت مجموعة من الأسماء المهمة التي شكلت حضوراً فاعلاً ومهماً في هذه العودة القوية لفن الخط العربي، ولا يخفى على أحد أن الإمارات أصبحت مع تركيا وإيران المكان الأكثر استقطاباً لحركة الخط العربي . ومن الأسماء البارزة في الخط العربي كان خالد الجلاف مدير تحرير مجلة حروف عربية الذي أقام معارض عدة داخل الدولة وخارجها، وفي هذا الحوار الذي أجريناه معه حاولنا أن نسلط الضوء على الكثير من مفاصل تجربته الخاصة، وعلى العديد من النقاط والقضايا المتعلقة بالحراك الحاصل في مجال فن الخط العربي:

متى كان اللقاء الأول بينك وبين الخط العربي، وكيف استهواك الدخول والانخراط في أحد الفنون الذي كان يعد هامشياً في نهاية السبعينات من القرن الماضي؟

دخلت عالم الخط بالمصادفة عن طريق الفنان التشكيلي الإماراتي المعروف عبدالقادر الريس، وكنت آنذاك في المرحلة الإعدادية، وعندما أبلغت الريس أنني أنوي أن أكون فناناً تشكيلياً وجهني نحو الخط العربي، وكان هو آنذاك مبتعداً عن التشكيل، ورحت أبحث عن مراجع تعلمني الخط العربي، حيث لم يكن لدينا في الإمارات خطاطون أو مراكز لتعليم الخط، فبدأت بتقليد عناوين الصحف، خاصة أن الذين كانوا يضعونها خطاطون، ورحت أقلّد الفنان المصري محمد حمام، وفي الثمانينات من القرن الماضي التقيت الخطاط نزار محمد الدوري، وهو تلميذ التركي هاشم البغدادي الذي يعد أفضل الخطاطين الأتراك بعد عمالقة الخط العثمانيين، وقد ترك مجموعة من الطلاب الذين عرفوا واشتهروا في ما بعد مثل الدكتور صلاح شيرزاد والدكتور عبدالغني العاني، وغيرهما .

كان ميلك الأول للتشكيل فكيف أثر ذلك في خياراتك لاحقاً في الخط العربي؟

لقد بدأت بتعلم الخط العربي بطريقة كلاسيكية، وفي الحقيقة أثر حبي للفن التشكيلي كثيراً في عودتي لاحقاً لتعلم تقنيات الرسم، بالإضافة للحرف العربي، كذلك حبي للون دفعني للبحث عن طريقة مغايرة لاستخدامه، ولقد أرشدني الفنان السوري محمد الخاني إلى كيفية استخدام الألوان وخاصة الغواش، ما أحدث لدي نقلة نوعية حيث بدأت بكتابة الخط العربي بالألوان، وشاركت وقتها بالأسبوع الثقافي الأول في الكويت عام 1984 .

من المعروف أنك درست الشريعة والقانون مع اهتمامك الكبير بالفن، فهل ترى أن دراستك أخرت من تصاعد مسارك الفني؟

على العكس تماماً، لقد استفدت كثيراً من دراستي، فمن المعروف أن الشريعة والقانون كلاهما يعلمان الإنسان الرصانة والاتزان، وهو ما ظهر في اختياراتي للنصوص التي تضمنتها أعمالي الخطية، كذلك أثرا من ناحية ابتعادي عن الألوان الصاخبة، وقد أمدتني دراستي بمخزون معرفي كبير خاص بالتراث العربي الإسلامي .

تنتمي إلى جيل الثمانينات كيف كان المناخ فنياً في الإمارات آنذاك وسط بحر من المتناقضات الفكرية التي عمت الوطن العربي ؟

أتى الكثير من الفنانيين العرب في الثمانينات إلى الإمارات، ومنهم من كان متأثراً بالمدارس الفنية الغربية، وبعضهم بالواقعية الاشتراكية، وتوزع تأثر فناني الإمارات على الطرفين، فظهر الكثير من الأعمال المحلية التي انتمت إلى السوريالية أو التجريد أو الرمزية، وكان ذلك محاولة لاختصار المسافات، لكن المجتمع المحلي لم يتقبل تلك الأعمال رغماً أن بعضها لقضايا مهمة آنذاك، وخاصة قضية فلسطين، ونحن كجيل كنا نتابع بعضنا بعضاً، فلم يقتصر المبدع الإماراتي على عالمه، إنما كان يتابع زملاءه المبدعين في مناح أخرى، وظهرت في الثمانينات أسماء مهمة ما زالت باقية إلى اليوم، كما قدمت أعمالاً في شتى الفنون، وقد تأثرت كغيري بذلك المناخ فزاد اطلاعي على المدارس والتوجهات الفنية المختلفة، وخاصة الواقعية والتجريد، كذلك استفدت من مناخ الحوار الذي كان موجوداً آنذاك، ومن الندوات والمحاضرات والمناظرات ما أغنى رؤيتي إلى الفن بعموميته .

تتحدث عن التشكيل بطريقة توحي بأنك تنتمي إليه بالدرجة الأولى ومن ثم الخط، فهل هذا صحيح؟

في الحقيقة البعض ينسبني إلى التشكيل أكثر من الخط، والبعض الآخر يراني خطاطاً قبل كل شيء، وأنا مرتاح إلى النظرتين، وعندما أتحدث عن الحراك التشكيلي في الثمانينات فذلك لأني أرى أن أعمالي اليوم هي بشكل من الأشكال ثمرة ذلك الحراك .

موازنة

دعنا نتوقف عند مسألة المعرفة التي ربما تشكل فارقاً نوعياً بين التشكيلي والخطاط، فالبعض يرى أن التشكيلي منفتح على المعارف أكثر من الخطاط فهل هذا صحيح؟

للأسف إن معظم الخطاطين قبلوا أن يكونوا مجرد حرفيين، وهذه مشكلة كبيرة، فأنا أنظر إلى الخطاط بوصفه فناناً قبل كل شيء، فالخط العربي فن موغل في الحضارة العربية، لذلك يجب أن تكون التوجهات البحثية للخطاط متعددة المصادر، وبعض الخطاطين اليوم لا يهتم إلا بأنواع الخطوط وإجادتها، ويفتقدون إلى علاقة الخط بالفنون الأخرى، ما يجعل عملهم لا يبدو عصرياً، وهذا يؤثر في علاقة المتلقي باللوحة الخطية نفسها .

ومن جهة أخرى فأنا أرى أن اللوحة الخطية تقوم على معرفة بالفراغات، والتوازنات، وهو ما يتطلب من الخطاط معرفة تتجاوز الإطار الضيق للمهنة، كما أن المعرفة تجعل الخطاط مبدعاً، وليس مقلداً، وقد انعكست قلة معارف الخطاطين على غياب شخصية الخطاط عن اللوحة، ما يجعل أعمالهم متشابهة من حيث الأسلوب أو المواد المستخدمة، أو من حيث النصوص المختارة، بالإضافة إلى التبعية للخطاطين الكبار، وهنا لا بد لي أن أقدم شهادة من خبرتي بأن التشكيلي أكثر ثقافة واطلاعاً من الخطاطين، وهو ما يبرز جلياً في الكثير من النقاشات التي تدور بينهم، والتشكيلي أقدر على الدفاع عن لوحته وأسلوبه بطريقة لا يمكن للخطاط أن يجاريه فيها .

نرى في الكتابات النقدية حول التشكيل تطرقاً إلى فلسفة اللوحة نفسها، فهل هذا الأمر ممكن اليوم مع اللوحة الخطية؟

عندما نتحدث عن فلسفة فنحن بالضرورة نتحدث عن المعرفة والفكر، وهما غير موجودين عند الكثير من الخطاطين الذين عزلوا أنفسهم في مجتمع الخطاطين، وحتى يكون للوحة الخطية فلسفة ينبغي أن يكون الخطاط على معرفة بتاريخ الفن، ومدى تأثر المجتمعات بفنون بعضها بعضاً، وإذا عدنا إلى تاريخ الخط العربي سنجد أن الخطاطين كانوا في عصور ازدهار الحضارة العربية الإسلامية على اطلاع ودراية بثقافات الشعوب الأخرى، وهو الأمر الذي جعل منه في وقت من الأوقات فناً معبراً عن الأمة بأكملها، واليوم يستطيع التشكيل أن يجتذب الجمهور بينما اللوحة الخطية الكلاسيكية لا تجذب إلا عدداً قليلاً من الجمهور، وهم محبو فن الخط، وهنا يتوجب على الخطاط حتى يكون للوحته فلسفة بالمعنى العميق للكلمة أن يبحث ويبتكر أساليب أكثر حداثة في تقديم اللوحة، ونحن نعلم على سبيل المثال لا الحصر أن اللوحة الخطية تقوم على النصوص المأخوذة من القرآن الكريم، أو الشعر، أو الأمثال، ونجد أن الخطاطين يحصرون أنفسهم في النصوص التي اعتادها المجتمع، مع أننا نملك تاريخاً كبيراً من النصوص الفصيحة أو حتى النبطية التي يمكن أن تلامس المتلقي، كما أنه يمكن الأخذ من ثقافات الشعوب الأخرى ما يوسع آفاق اللوحة الخطية .

لديك الكثير من الانتقادات للخطاطين فهل هذا يعني أنك متشائم من مستقبل الخط العربي؟

على العكس تماما أنا متفائل بفن الخط العربي، فنحن في الإمارات بدأنا نطلع على أساليب جديدة في تناول الخط، وهو ما يمكن ملاحظته من الملتقيات الخطية نفسها، ومنها ملتقى الشارقة لفن الخط العربي، حيث كان هناك فنانون من جنسيات مختلفة، ورأينا أعمالاً فيها الكثير من الجدة والحداثة، كما أن بعض الملتقيات قدمت أعمالاً ترتكز على مفهوم الكتلة والفراغ، بالإضافة إلى الاهتمام الكبير لدى المسؤولين عن الشأن الثقافي بفن الخط، ونحن نرى اليوم الكثير من المؤسسات تضع في مكاتبها اللوحة الخطية، وهذا الأمر كان مقتصراً على اللوحة التشكيلية .

أنت من الذين زاروا بعض البلدان الآسيوية وخاصة اليابان والصين، فكيف التعامل هناك مع فن الخط؟

لقد كتبت ما يمكن أن أسميه خواطر حول هاتين الرحلتين لدهشتي الكبيرة بالاهتمام الذي يلقاه فن الخط هناك، وللتقدير لكبير الذي يحظى به الخطاط، وقد زرت أحد المتاحف الكبيرة في الصين الذي خصص أحد مبانيه الثلاثة لأعمال الخط، وهو أمر غير مستغرب، فإذا ما عدنا إلى التاريخ الصيني المعاصر فإننا سنجد أن زعيم الصين ماو تسي تونغ ظهر في إحدى اللوحات وهو يرتدي الزي التقليدي للخطاط الصيني ويحمل في يده فرشاة الخط من أجل أن يشجع على الثقافة، وهذا المثال يوضح إلى حد كبير مكانة الخطاط في بلد مهم وكبير مثل الصين .

أنت الآن في موقع مدير تحرير مجلة حروف عربية المتخصصة في الخط، فكيف تنظر إلى دور هذه المجلة في نشر رسالة الخط العربي؟

حقيقة، إن المجلة مصدر فخر لنا في الإمارات، فهي المجلة الوحيدة في العالم المتخصصة في الخط، فكل الفنون لها مجلاتها المتخصصة وهذا مهم لنشر الفنون وتعريف المتلقي بها، ومع العلم أن للخط العربي مراجع كثيرة باللغات الأجنبية، إلا أن مراجعه العربية قليلة وهذه مفارقة كبيرة، لذلك فإننا نعول الكثير على حروف عربية ونحن من خلالها نقدم فن الخط إلى العالم، ولدينا تنوع كبير في الموضوعات أو من حيث اختصاصات كتابها، فهنالك التشكيليون والتربويون والخطاطون والباحثون في العمارة الإسلامية، ونحن نحاول أن تكون المجلة مرجعاً معرفياً حقيقياً في فن الخط، وقد حققت المجلة انتشاراً كبيراً في الوطن العربي والعالم، ونحن الآن نسعى إلى أن تضم بعضاً من المقتطفات باللغة الإنجليزية وصولاً إلى وجود إصدار خاص باللغة الإنجليزية من المجلة .

من المعروف أن الخط العربي جزء من الهوية الفنية والثقافية العربية كيف تنظرون اليوم إلى دور الخطاط أو المشتغلين في هذا المجال لتعزيز الهوية العربية في أفقها الحضاري؟

سأعطيك مثلاً من المجلة نفسها، فنحن حاولنا أن نوثق عروبة فلسطين من خلال الآثار الخطية الموجودة فيها، ولاسيما في مدينة القدس، وهذا أمر حيوي بالنسبة إلى قضية العرب فلسطين، والصراع على القدس ومحاولة تهويدها، وقد أظهرنا بالصور والوثائق أقدمية الوجود العربي الإسلامي في المدينة، وأنا شخصياً أنظر إلى الخط العربي من منظور تفاعله مع الهوية العربية ليس من باب العودة إلى الماضي، وإنما من باب المستقبل .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"