عادي

الولايات المتحدة أمة مقسمة...حرب ثقافية أيديولوجية 2/3

02:27 صباحا
قراءة 12 دقيقة

ما بين أنصار الأخلاقيات الدينية وأنصار أمة علمانية، تعرف الولايات المتحدة الأمريكية انقساما ثقافيا وايديولوجيا عميقا. وقد رأت النور حرب ثقافية حقيقية، يُشيد بها اليمينُ المسيحي، الذي يتباهى بثقل غير مشهود في الحياة السياسية الأمريكية.

يحتل الدين، في حقيقة الأمر، ومنذ سنة ،2000 دورا حاسما في الانتخابات الأمريكية. كما أن إعادة انتخاب جورج بوش الابن رئيسا سنة ،2004 وهو نقطة الذروة في محاولات اليمين المسيحي للتأثير في مجريات السياسة الأمريكية، يشهد على الأمر. وعلى مقربة من انتخابات ،2008 يأتي كتاب هانز جيورغ بيتز (الولايات المتحدة أمة مقسمة: حرب ثقافية وايديولوجية) الصادر حديثا بالانجليزية والفرنسية عن دار اترومنت فرونتيير، حيث يعود المؤلّف إلى انتخابات 2000 و،2004 التي شهدت وصول بوش الابن إلى البيت الأبيض، ويقوم بتفكيك رموز هذا الصراع ما بين رؤيتين للعالم غير قابليتن للتصالح.

يرى الكاتب ان الحرب التي يقودها المسيحيون اليمينيون تطال كل أوجه الحياة في الولايات المتحدة. فها هو ستيفين وَالدْمان، وهو شريك ومؤسس لموقع بيلييفنيت الإلكتروني، يفسر أن الكثير من المسيحيين الإنجيليين لا يزالون يعتقدون أنهم مُحتَقَرون ولا يفهمهم أحد وهم ضحايا للتمييز، من قبل الصحافيين ومن هوليوود ومن نُخَب أخرى، وبطريقة عامة، من قبل كل من لا ينتمي لنفس الوسط الذي ينتمون إليه، وبعض مسؤولي اليمين الديني ذهبوا إلى ما هو أبعد من كل ما ذُكِر، فها هو ريشارد فيغوري، وهو من استراتيجيي اليمين، أعلن بشكل واضح في لقاء أجري معه قبيل إعادة انتخاب الرئيس بوش الابن: توجد حربٌ ضد المسيحيين في هذا البلد،أما ويليام مونوهي، وهو رئيس للرابطة المسيحية من أجل الحقوق المدنية والدينية، فيرى أن المسيحيين يتعرضون لهجمات قاسية جدا من قبل فاشيي الثقافة الذين يريدون تدمير التقاليد المسيحية التي تحظى بأكبر قدر من الحبّ، مثل أعياد الميلاد. ولا يتورع في أن يتحدث عن هوليوود بعبارات قاسية: هوليوود يسيطر عليها يهود علمانيون يكرهون المسيحيين بشكل عام والكاثوليكيين بشكل خاص. (...) هؤلاء الناس يعشقون أماكن عامة فارغة، من دون مشاهد عيد الميلاد. أنا أحب العائلات، أحب الأطفال. هم يحبون الإجهاض. أنا أؤمن بالقيم التقليدية وبالاحترام. هم يؤمنون بالتهتك. لا توجد قواسم مشتركة بيننا. لكن هل تعرفون أن الحرب الثقافية مستمرة منذ زمن طويل. وهم سيكونون الخاسرين. وفيل سترينغر، وهو نائب رئيس الجامعة المسيحية لاندرمارك، في فلوريدا، يقول: إذا كان ثمة من أناس يريدون تخريب حياتكم الروحية- تخريب إيمانكم وقِيَمِكُم وعقيدتكم، فلأنهم، هم، يريدون أن يكونوا أحرارا يعيشون تمردا شخصيا ضد الحقيقة المسيحية. يريدون تخفيف مشاعر الذنب الشخصية من خلال تجنيد أكبر قدر من البشر في أسلوب حياتهم اللا مسيحية.لهذا السبب انطلقوا في حرب ضد القيم المسيحية وضد الأخلاق المسيحية وضد الثقافة المسيحية التاريخية لأمريكا، الكثير من المظاهر تثير الاستغراب ولكنها تدخل في باب كل شيء مباح من أجل جلب العطف وإلا فكيف يمكن للحركة السياسية الأقوى في البلد أن تدعي، بشكل مستمر، أنها تتعرض لسوء المعاملة. هذه الاستراتيجية هي من أجل غرضين: إلحاح اليمين الديني على موضوع المسيحية المُححاصَرَة له وقعٌ لا يستهان به على الرأي العام. في نهاية سنة 2005 اتفق ثلثا الرأي العام الأمريكي تقريبا على أن الديانة تتعرض لهجمات في أمريكا. ومن جهة ثانية هذه الاستراتيجية تنجح في تضخيم القاعدة الدينية ومنح اليمين المسيحي نقطا مهمة في الحرب الثقافية، ويرى المؤلف أنّه من خلال هذا النوع من الخطابات، كان من الجوهري أن يظل بوش في سدة الحكم. اليمين المسيحي كان بالفعل مقتنعا أن الرئيس بوش متفق مع وجهات نظرهم وأنه يتقاسم معهم الفكرة التي تقول بوجود مناخ معادٍ للمسيحية في الثقافة، على الصعيد الوطني، في هوليوود وفي التلفزيون وبطريقة عامة في وسائل الإعلام وفي العديد من المؤسسات- القانونية والتعليمية، وقد دفعت الهيستيريا الدينية ببوب جونس، وهو رئيس الجامعة المسيحية في غرينفيل في كارولينا الجنوبية بأن يضمن خطاب التهنئة الذي أرسله إلى بوش عشية انتصاره في انتخابات سنة ،2004 بعض الفقرات الحماسية وفقرات أخرى وصلت حدا كبيرا في الوقاحة: عبر إعادة انتخابكم، منح الربّ عنايته لأمريكا- على الرغم من أنها لا تستحقها، وهذه العناية تتمثل في هدنة إزاء برنامج الوثنية. لقد تلقيتم تفويضا. نحن، الشعب الأمريكي، نتمنى أن يكون صوتكم في مثل وضوح ويقين صوت البوق. ولأنكم تبحثون عن الربّ كل يوم، فنحن، الذين نعرف الربّ، سنتبع بحماس هذا النوع من الصوت.لا تترد، ضعْ برنامجك على النار واتركه يطبخ. أنت لست مديناً في شيء لليبراليين. إنهم يحتقرونك لأنهم يحتقرون مسيحنا. شرّف الربّ، وسوف يشرفّك.(...) من السهل الابتهاج اليوم لأن السيد المسيح أتاح لك أن تكون خادمه في هذه الأمّة لولاية انتخابية ثانية. ليس من شك أنه ستكون لديكم إمكانية تسمية وتعيين العديد من القضاة المحافظين وإمكانية ممارسة هيمنة من دون ضعف على الكونغرس من أجل التصويت على قانون يستجيب للمبادئ التوراتية حول العائلة والجنس وقدسية الحياة والحرية الدينية وحرية التعبير والحكم المُحدد. أمامكم أربع سنوات، وهو وقت قصير جدا، كي تضعوا على هذه الأُمّة بصمات الفضيلة الحاملة لنعَم الله الجبار.

لا نصدّق أعيننا ونحن نقرأ، هذا النزوع التديّني عند الأمريكيين، وخصوصا اليمين المسيحي، وإلا ما معنى أن يكتب إن إعادة انتخاب بوش الابن ليست أقل من تفويض سماوي. ويصبح انتخاب بوش، ثانية، ليس فقط وضع حد للانحطاط الأخلاقي في البلد، ولكن أيضا قلب مسلسل التهميش المتصاعد للدين في المجتمع الأمريكي وإعادة فتح البلد من أجل المسيح.

من أين يستمد الدين المسيحي طاقته وتحفيزه؟ يقول لنا الكاتب: يستمدهما من مصدرين أيديولوجيين: تخيّلات الاضطهاد من جهة، وأحلام الهيمنة المسيحية على أدق مظاهر الثقافة والسياسة والمجتمع، من جهة ثانية. وهذا هو ما يشرحه روندال تيري، وهو ناشط ضد الإجهاض الذي مارس ضغوطا على إدارة بوش، حين يقول: إنّ هدَفَنا هو أمة مسيحية. (...) لدينا واجب ديني، نحن مدعوون من قبل الإله إلى فتح هذا البلد. نحن لا نريد المساواة في وقت الكلام. نحن لا نريد التعددية (...) الحكومة الإلهية هي حكم الربّ. عندي إلهام. حكم الربّ.ليس من قبيل الصدفة أن مسؤولي اليمين المسيحي وتنظيماته كانت الأكثر حماسا في معانقة مفهوم الحرب الثقافية. الصراعات الثقافية تمنح مناسبة مثالية لصبغ العالم بالأسود والأبيض، بتعبيرات صراع الخير ضد الشر، كما يبيّنه تأكيدُ دي. جيمس كينيدي، أحد أصوات الحرب الثقافية المدوية: ليحفظنا الربّ، لقد ولدنا في نِعَم أمريكا مسيحية، يحفظنا الرب من ترك تراثنا ينزلق من بين أصابعنا مثل الرمال، ونورّث لأبنائنا العِظَام المبيضّة لمجتمع علماني وكافر. مهما كان المَخْرج النهائي فثمة شيءٌ واحد مؤكدٌ وهو أن الربّ دعانا لشنّ معركة ضد العدوّ في هذه الحرب الثقافية. إنه هو تحدّينا اليوم.

وأضاف: المسيحيون ليسوا هم من أعلن الحرب الثقافية، ولكننا نحن من سيضع حدّا لها. إنه واقعٌ، الكتاب المقدّس يضمن النصر، ويعرف المؤلف الحروب الثقافية فيقول: إنها صراعات تتعلق بالأفكار والتحديدات الاصطلاحية ورؤى العالم المتنافسة. بتعبير آخر، إنها صراعات ميتا-سياسية من أجل ممارسة الهيمنة الثقافية. وهذه الفكرة تعود إلى تحليل الميكانيزمات التي تتيح للمجموعات المهيمنة أن تحافظ على سيطرتها على المجتمع، والتي قام بها الفيلسوف الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي، وحسب غرامشي فإن طبقة مهيمنة مثل البورجوازية لا يمكنها أن تحافظ على هيمنتها إلا إذا استطاعت أن تمارس قيادة فكرية وأخلاقية في ثنايا المجتمع المدني ومؤسساته، التي تحدد القيم الثقافية والأخلاقية. مفتاح التغيير الثوري في هذا المنظور يوجد في تشكيل هيمنة بديلة للتصدي واستبدال السلطة الثقافية والأخلاقية للهيمنة القائمة.

إن أهمية الديانة المتعاظمة في السياسة الانتخابية لها وقعٌ مهم على الحياة السياسية الأمريكية بشكل عام، ومن بين آثاره الأولى الاستقطاب المشهد السياسي الأمريكي، والذي عكسته الانتخابات الرئاسة الأخيرة.كما أن سياسة الحرب الثقافية منحت لليمين المسيحي ثقلا لا سابق له في الحياة السياسية الأمريكية. إذْ من دون التعبئة الشاملة للإنجيليين والمحافظين المسيحيين، ما كان بوش ليعاد انتخابه سنة 2004. وما كان للحزب الجمهوري أن يستطيع تثبيت هيمنته على مجلسي الشيوخ والنواب. ولكن الأمر لا يخلو من سلبيات ، كما يصر المؤلّف: لقد قسمت سياسة الحرب الثقافية الولايات المتحدة إلى قسمين من جهتي الخطوط الأيديولوجية وولّد التقسيم الشهير ما بين أمريكا حمراء (جمهورية ومحافظة ودينية) أمريكا زرقاء (ديمقراطية وليبرالية وعلمانية). وأخيرا فإن سياسة الحرب الثقافية ساهمت في الإضرار بالعلاقات ما بين أمريكا والجهة الأخرى من الأطلسي منذ السنوات الأخيرة وكشفت خطوط العطب الثقافية التي تفصل القارتين. إذْ من وجهة نظر المُحافِظين الأمريكيين، فإن الأمريكيين والأوروبيين يمكنهم أيضا أن يعيشوا على كواكب مختلفة. وأما الأوروبيون فيجدون، في كثير من الأحيان، صعوبة كبيرة في فهم ما يجري حاليا في الولايات المتحدة. وفي أغلب الأحيان يعبر الشعور بالهوّة التي تفصل الولايات المتحدة عن أوروبا عن نفسه من خلال إظهار سخط الأوروبيين تجاه الرئيس بوش وسياسته الخارجية منذ 11 سبتمبر، بشكل خاص. ولكن الاختلافات التي تحكم القضايا بين الولايات المتحدة وأوروبا لها أسبابٌ بنيوية عميقة جدا. وهذا يعني أن عدم الفهم وكذا الغضب الأوروبي تجاه الولايات المتحدة سيستمرّان على الأرجح إلى ما بعد ،2008 إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية القادمة في الولايات المتحدة الأمريكية.

إيمان متناقض

يورد الكاتب ما قاله المؤرخ البريطاني بول جونسون، مؤخرا، في كتابه تاريخ الشعب الأمريكي من أن الولايات المتحدة الأمريكية: شعبٌ يخشى الله، بل ويزيد: إنها البلد الأكبر في العالم الوحيد الذي تواصل فيه أغلبية من المواطنين في المشاركة، بشكل طوعي، في الحياة الدينية النشطة. وهو ما يشكل في نظره: المصدر الأول للاستثنائية الأمريكية. ومؤخرا ذهب صموئيل هنتنغتون إلى حدّ التأكيد على أن أمريكا هي البلد المتدين بشكل بالغ، وأنها أُمّة ذات غلبة مسيحية. وهذا يعني في نظر المؤرخ هنتنغتون أن غير المسيحيين يمكنهم أن يجدوا أنفسهم غرباء وأجانب لأن أجدادهم أو هم بأنفسهم قدموا للاستقرار في هذا البلد الشاذّ المؤسس والمسكون من قبل المسيحيين- بنفس إحساس المسيحيين الذين يهاجرون إلى إسرائيل أو الهند أو تايلاندا أو المغرب، بالغربة. والسؤال هو هل يتعلق الامر بغربة مسيحية؟ يقول المؤلف إنه من حسن الحظ أن هذين الرأيين الأخيرين لا يحظيان بالإجماع، ولا يشكلان حقيقة مطلقة. في سنة 2002 أشار تقرير بيو ريسيرش أن 60 في المائة من المواطنين الأمريكيين يعلنون أن الدين يلعب دورا مهما في حياتهم. العدد أكبر، مرتين، من نظيره في كندا وبريطانيا، وأكبر ثلاث مرات من نظيره الألماني. هذه الدراسة تثبت بوضوح أن في ميدان التدين تمثل الولايات المتحدة الأمريكية استثناء بين الديمقراطيات الغربية المتقدمة. لكن آراء الأمريكيين هي أكثر اقترابا من آراء الشعوب والأمم السائرة في طريق النموّ أكثر مما كذلك مقارنة مع الأمم المتقدمة.. إن أكثر من 71 في المائة صرحوا بأنهم يقبلون أن يموتوا من أجل دينهم إنه مثال على التأثير القوي للدين في الولايات المتحدة.

من هم الأكثر تدينا في الولايات المتحدة الأمريكية؟ من بين المراكز الأولى نجد الإنجيليين والأصوليين. ويكتب المؤلف: منذ انتصار بوش الابن سنة ،2000 بدأ الإنجيليون يلفتون الانتباه في الولايات المتحدة وفي الخارج. تنسب إليهم قيامهم بحمل مشعل الهجوم لصالح بوش والحزب الجمهوري، كما أنه بفضلهم أصبحت قضايا الحرب الثقافية الثيمات الأساسية في النقاش السياسي.

من هم هؤلاء الإنجيليون، حقيقة؟ وما اختلافاتهم مع الطوائف المسيحية الأخرى؟.يقول الكاتب انهم يتميزون عن الآخرين باعتقادهم بمعصومية الكِتاب المقدس. بتعبير آخر، إن الكتاب المقدس، في نظرهم، هو كلام الربّ الحَرْفي والحقيقي، وإذاً فهو السلطة القصوى لكل الأشياء. كما أن الإنجيليين يؤمنون بأن الافتداء لا يأتي إلاّ من الإيمان بالسيد المسيح- أو حسب التعبير المكرس، من القبول الشخصي للسيد المسيح المخلّص. وهم يرون أنفسهم: المؤمنين الحقيقيين، لأننا نعرف من نؤمن به. ونحن على يقين من أن السيد المسيح قادر على شراء وتحويل حيواتنا، كما أن الإنجيليين يرون أن المسيحيين عليهم واجب التعبير عن إيمانهم واقتسام كلام الله مع الآخرين، أي تنصير الآخرين.إن هذه الخطوة، أي التفكير بتنصير الآخرين لا تقل عنها حقائق أخرى فيما يخص سيادة الجنس الأبيض بين أفرادها وزعمائها. وهو ما يورده تحقيق أجري سنة 2004 من قبل معهد الاستطلاعات غرينبيرغ المقرب من الحزب الديمقراطي الأمريكي. ويرى التحقيق أن ثلاثة أرباع الإنجيليين من البيض و15 في المائة الأفرو-أمريكيين و5 في المائة من ذوي الأصول الإسبانية. الإنجيليون إذاً يتميزون بانخراطهم الديني وأورثوذوكسيتهم العقائدية. هكذا 70 في المائة منهم يشاركون مرة واحدة في الأسبوع على الأقل في القدّاس الديني. كما أن الثلثين منهم يعتقدون أن الكتاب المقدس هو الكلام الحقيقي والحرفي للربّ. كما أنهم منشغلون بما يرونهم انحطاطا أخلاقيا للبلد. أكثر من 60 في المائة قلقون جدا مما يعتبرونه تآكل العائلة. أكثر من الثلث يمتعضون من تقدّم العلمانية. والنصف تقريبا ينتابهم شعورٌ كبير بأن وسائل الإعلام معادية لقناعاتهم الأخلاقية وقيمهم الروحية.

اشتراع قانون حول الأخلاق

المحافظون الأمريكيون يواصلون الاعتقاد، إلى وقت قريب، بأنّ مفتاح الصراع ضد الخطيئة، يتعلق بمحاولة تغيير طرق التفكير. ثمة ظاهرتان جعلتهم يعودون بقوة إلى هذه الفكرة: من جهة الشعور المتزايدُ بأن المجتمع الأمريكي يواجه أزمة وعي أخلاقي جوهري، ومن جهة ثانية الانطباع بأن أغلبية الكنائس البروتستانتية التقليدية استسلمت، بطريقة أو بأخرى، أمام القبول العلماني للنخب للعلاقات الجنسية خارج الزواج، وللاجهاض وللعلاقات المثليّة وممارسات أخرى يعتبرها المسيحيون المحافظون معادية للحياة الأخلاقية وللصحة العائلية، في حين ان المنظمات المسيحية والدينية لم تتوقف عن ممارسة ضغوطات من أجل تشريع قانون حول الأخلاق.

تحالف خلف البيت الأبيض

مستشارو بوش، الذين كان يقودهم كارل روف Karl Rove، طوّروا استراتيجية تقارُب مع المسيحيين الإنجيليين بهدف جعلهم حجر الزاوية لتحالف قويّ ومستديم، وقد اكتشف هؤلاء المستشارون أن المحافظين الدينيين إذا تم تعبئتهم سيكونون عاملا حاسما، وبالتالي سيضمنون للجمهوريين أغلبية انتخابية قوية وصلبة في مستقبل قريب. وكانت الاستراتيجية القاعدية عند كارل روف موجهَة ليس فقط من أجل إقناع الناخبين المترددين وذوي الانخراط الضعيف، ولكن توليد أكبر قدر ممكن من الأصوات من أجل الجمهوريين، أي تعبئة أكبر قدر ممكن من الناخبين. ويحكم عليها بأنها استراتيجية ناجحة: وهكذا رأينا كيف أن الدين لعب دورا لا سابق له، أثناء انتخابات ،2004 ومنحت للمسيحيين المحافظين والإنجيليين الفرصة التي طالما انتظروها، في استعراض عضلاتهم الثقافية والسياسية. يتعلق الأمر بفرصة تاريخية لم يُضيّعوها. لقد انتصر الجمهوريون بفضل المجهود المركز لمنظمات اليمين المسيحي مثل Christian Coalition وFocus for the Family من أجل تخزين أكبر قدر ممكن من الأصوات، ولكن انتخابات 2004 قوّت من تصور الاستقطاب السياسي والثقافي الذي ينعكس في مفهوم انقسام الأزرق/الأحمر، وجعلت من أمريكا أمة ثنائية القطبية. والكل يعلم أن الأمة الأمريكية أمة محافظة، ما في الأمر من شك. وحتى المعلقون الديمقراطيون يرون ذلك. فالشعب في اغلبيته يدافع عن التصور الديني للخلق أكثر من اعتقاده بنظرة النشوء والارتقاء الداروينية، ومن المؤكد أن الدين كان عاملا مهما بل وحاسما- في السياسة الانتخابية الأمريكية. على طول تاريخ الولايات المتحدة تشكلت قاعدة الحزبين الكبيرين من مختلف التحالفات بين المجموعات الإثنية-الدينية. الجمهوريون كانوا يمثلون الكنائس البروتستانتية(البيضاء والأنجلو-ساكسونية) المهيمنة، بينما كان الديمقراطيون يجذبون انتباه التقاليد الدينية للمهاجرين وللأقليات مثل اليهود وبعض المجموعات البروتستانتية الطائفية ويجذبون بشكل خاص الكاثوليكيين، وكلهم متحدون في نفس الرغبة المتمثلة في مقاومة الهيمنة الثقافية، ويتطرق الكاتب لمفهوم الجبليّة أو الفطريّة والمسألة الكاثوليكية ويرى أن هذا المفهوم كانت تثيره مخاوف كثيرة عند المستوطنين القدامى للولايات المتحدة من رؤية أناس وافدين جدد كانوا يعتبرونهم يشكلون تهديدا للثقافة وللقيم والمؤسسات الجوهرية لهذه الجماعة..إذنْ فقد كان في بدايته التعبير عن قفزة أثنو-ثقافية غذتها مخاوف تجذّرت بعمق ومرتبطة بتأثيرات هجرة جماهيرية على المجتمع والحياة السياسية الأمريكية، ويرى الكاتب ان ثمة في الأمر أفكاراً مسبقة معادية للكاثوليكيين. والهجرة، في نظر أنصار الفطريّة، هي حصان طروادة اخترعتها الممالك الأوروبية- ثم الفوضويون والشيوعيون ومنظمات راديكالية أوروبية أخرى- من أجل قلب الحرية والديمقراطية الأمريكيتين، وقد ظلّت المَخاوف عند هؤلاء فترة طويلة وامتدّت حتى أواسط القرن العشرين، ومن بين المثقفين الأمريكيين الذين عبروا بقوة عن هذه المخاوف، نجد بول بلانشارد، وهو من الذين راهنوا على ورقة معاداة الكاثوليكية، وقد قال سنة 1949 محذّرا من التهديد المتصاعد الذي تمثله الكنيسة الكاثوليكية: لا يوجد أدنى شك من أن السلطات الكنسية الكاثوليكية الأمريكية دخلت في المُعترك السياسي، وأنها تواصل بِعنف متصاعد توسيع حدود السلطة الكاثوليكية إلى ميادين الطب والتعليم والسياسة الخارجية. (...) إنها تستخدم السلطة السياسية لما يقرب من ستة وعشرين مليونا من الأمريكيين، يعلنون بشكل رسمي كونهم كاثوليكيين، من أجل جعل السياسة الخارجية لأمريكا تتبع المصالح الزمنية للفاتيكان. إنه نوع الخطابات التي يتعين علينا أن نتحدث عنها بحرية، لإنها ذات أهمية قصوى ولا يمكن السكوت عنها. لكن يجب الإقرار أن عدة ملايين من الأمريكيين خائفون من الحديث عنها بشكل مفتوح وحر. إن التردد في الحديث عنها راجع، جزئيا، من الخوف، الخوف من انتقام الكاثوليكيين. (...) السلطات الكنسية المسيحية في البلد تمتلك سلطة كبيرة باعتبارها مجموعة ضغط(لوبي)، ولا يستطيع أي مدير تحرير أو رجل سياسة أو ناشر أو تاجر أو منتج سينما أن يتحداها- أو يكشف وقائع موثّقة- من دون المخاطرة بمستقبله، ونحن نعرف من خلال الكتاب أن هذه الأفكار المسبقة ظلت مؤثرة وتشكل عقبات مهمة أمام العديد من الشخصيات السياسية وطموحاتها، وهو ما حدث مع جون ف.كينيدي. أثناء الحملة الانتخابية من أجل الترشيح الديمقراطي، وجد كيندي نفسه مضطرا للدفاع عن نفسه من الاتهامات التي تقول إن رئيسا كاثوليكيا سيخضع لضغوط السلطات الكنسية الكاثوليكية، والتي تقول، أيضا، وبطريقة عامة إن الواجبات الدينية ستؤثر في قراراته، وقد اضطر بالفعل لأن يأخذ مسافة من الكنسية الكاثوليكية، وذلك بشكل علني أخذ مسافة من المواقف السياسية للكنيسة الكاثوليكية وهي مواقف غير شعبية، وقام أيضا، كما يقول المؤلف، بطمأنة الرأي العام الأمريكي بأن خياراته السياسية لن يمليها البابا، من أجل كسر شكوك خصومه الليبراليين والفوز بدعمهم... ولكن الرئيس كينيدي ظلّ استثناء. وعلى الرغم من انخفاض عدد الأمريكيين الذين كانوا يصرّحون بأنهم لن يصوتوا أبداً لمرشح كاثوليكي للرئاسة من 27 في المائة إلى 4 في المائة بين سنتي 1958 و1999 فإنه لم ينجح أي مرشح كاثوليكي آخر في الوصول إلى أعلى درجات الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"