شريف ياسين يستعيض عن يديه بقلم في فمه

مبرمج كمبيوتر تحدى الإعاقة بالأمل
13:32 مساء
قراءة 5 دقائق

أبهر شريف ياسين كل من حوله بتفوقه الدراسي الملحوظ حتى وصل إلى دراسة الماجستير في الإحصاء التطبيقي، وحصوله على دبلوم برمجة التطبيقات التجارية ودبلوم إدارة المستشفيات .

يجيد شريف أكثر من لغة، أهلته لاقتحام عالم الحاسب الآلي متحدياً إعاقته، مستعيضاً عن أصابع اليد بوضع قلم بفمه للضغط على أزرار لوحة المفاتيح ليحصل بتفوق منقطع النظير على رخصة قيادة الحاسب الآلي، ويصبح خلال سنوات قليلة واحداً من قلائل المبرمجين المصريين الذين يشار إليهم بالبنان في تصميم برامج المحاسبة وإدارة المشروعات .

قصة شريف ياسين مع تحدي الإعاقة بدأت أولى فصولها عند مولده وبالتحديد قبل 28 عاما، ويقول شريف عنها: أثناء ولادتي أخطأ الطبيب في استخدام أدوات التوليد فأصابت إحدى هذه الأدوات رأسي وتسببت في ضعف وصول الأكسجين إلى المخ، وهو ما أدى إلى إصابتي بالشلل الدماغي وشلل الأطراف الأربعة وتلعثم وبطء في الكلام، واعتقدت أسرتي بعد ظهور أعراض هذه الإصابات على جسمي وعدم قدرتي على الحركة والنطق مثل أقراني من الأطفال بأني مصاب بإعاقة ذهنية، ولكن مع بلوغي لسن الثالثة من عمري استشعرت أمي أنني أستطيع القيام بالكثير من المهارات العقلية عندها كانت بدايتي مع تحدي الإعاقة، ففي هذه المرحلة الصغيرة من عمري ونظراً لظروف إعاقتي لم يكن ممكناً أن ألتحق بدار حضانة مثل أقراني، إلا أن أمي أصرت على تعليمي بنفسها جدول الضرب كاملاً، ومبادئ القراءة والكتابة، وبدأت في هذه السن استخدم فمي في التحكم بالقلم وأكتب . ويتابع شريف: وعندما جاء موعد التحاقي بالمدرسة ومثلما توقع أبواي لم تقبل أي مدرسة التحاقي بها، وعندها كافح أبي كثيراً في أن يلحقني بإحدى المدارس حتى حصل على توصية خاصة من الدكتور أحمد فتحي سرور رئيس مجلس الشعب المصري السابق لدخولي المدرسة، وكان يشغل منصب وزير التربية والتعليم في حينها، وداخل المدرسة رحت أتنقل بين صفوف الدراسة مؤكداً عاماً بعد عام جدارتي بالتفوق ومحققاً نتائج متقدمة تدفعني إلى مزيد من التقدم في الأعوام التالية .

ونظراً لعشقه الذي ورثه عن والدته لعلوم الأرقام فقد اختار شريف بعد أن حصل على الثانوية العام بتفوق أن يلتحق بكلية التجارة، وداخل جامعة عين شمس ومن كلية التجارة بها حصل على البكالوريوس بتقدير عام جيد .

يقول شريف: والدتي تخرجت في كلية التجارة وكانت تعشق كثيرا لغة الأرقام، ومنها ورثت هذا العشق، وعندما حصلت على مجموع كبير في الثانوية العامة اخترت أن التحق بهذه الكلية دون غيرها، وخلال سنوات الدراسة الأربع حرصت على الاجتهاد في تحصيل الدروس ووفقني الله وحصلت على تقدير جيد، ما دفعني لاستكمال مشوار الدراسات العليا، وأنا الآن أدرس تمهيدي الماجستير في الإحصاء التطبيقية وأخطط لأن أستكمل دراساتي العليا حتى الحصول على الدكتوراه إن شاء الله .

جانب آخر من جوانب النبوغ وتحدي الإعاقة لدى شريف هو عشقه للكمبيوتر ونبوغه في فنون البرمجة مستخدماً قلماً يضعه في فمه عوضاً عن أصابعه في تشغيل لوحة المفاتيح .

يقول شريف: أول جهاز كمبيوتر دخل منزلنا اشتراه أبي وكان عمري 15عاماً، وفي ذلك الوقت لم يكن هذا الجهاز منتشراً بنفس انتشاره اليوم، وكانت قلة قليلة هي من تجيد التعامل معه وكنت أقرأ عن الجهاز وإمكاناته الجبارة قبل أن يحضره أبي مما جعلني مشدوداً إليه حتى قبل أن يشتريه أبي، وما إن بدأت الجلوس عليه إلا ورحت أدرب نفسي على استخدام قلم أضعه في فمي عوضا عن أصابع اليد، ومع إجادتي التعامل معه بهذه الطريقة وجدتني أنجذب إليه أكثر وعندها تولدت لدي رغبة في أن أتعلم كل علومه وأن أحصل على المزيد من الدورات حول سبل استخداماته وفنون البرمجة فيه .

ونتيجة لإصرار شريف على اختراق عالم الكمبيوتر، نجح في الحصول على رخصة قيادة الحاسب بامتياز من جامعته جامعة عين شمس، كذلك اجتاز عدداً من الدورات التي تؤهله لتعامل مهني متخصص مع علوم الحاسب منها دورة محاسبة التكاليف باستخدام ميكروسوفت اكسيل وحصل عليها بتقدير جيد جدا، وكذلك ورشة عمل تصميم الكروت وإعلانات الصحف والمجلات ودورة تدريبية في إدارة قواعد بيانات اوراكل .

كذلك برع شريف في اكتساب مهارات خاصة في التعامل مع برامج الحاسب منها تطبيقات أوفيس ميكروسوفت ومعالج الكلمات وقوائم الانتشار والعروض التقديمية وقواعد بيانات أكسس وفرونتبيج، كل ذلك أهله لدخول عالم البرمجة الإلكترونية باحتراف ليصبح واحداً من قلائل من محترفي هذا المجال في مصر بجانب إجادة فنون تصميم البرامج والمواقع الإلكترونية، ومؤخراً قام بتصميم عدد كبير من المواقع الإلكترونية، وكان آخرها موقع أراد من خلاله دعم فكرة توسع المعاقين في استخدام الإنترنت والاستفادة من إمكاناته الهائلة وأطلق على هذا الموقع اسم صوت المعاق كذلك صمم شبكة معلومات متكاملة لذوي الاحتياجات الخاصة، تديرها مؤسسة تسعى إلى تقديم معلومات عن كل ما يخص تلك الفئة .

مشوار تفوق شريف في دراسته ونبوغه في إتقان مهارات الحاسب الآلي حتى وصل إلى ما وصل إليه لم يكن مفروشاً بالورد فقد واجهته العديد والعديد من الصعوبات والمشكلات .

يقول شريف: أكثر ما كان يحزنني هو إجحاف ورعونة من كنت أتصورهم أكبر عون لي في مشوار تفوقي الدراسي، فلا أنسى طيلة حياتي كلمات قالها أحد أساتذتي في الجامعة وهو يسلم لي ورقة الامتحان، فباستهزاء شديد قال الدكتور يومها: النبي حارسك وصاينك . . هو احنا مش ورانا غيرك، ولم تكن المشكلات تنتهي عند الكلمات بل إن مشكلة المشكلات كانت في اختيار من يكتب لي في الامتحانات من سوء الخط والأخطاء الإملائية وعدم المقدرة على رسم بعض الرسومات التوضيحية .

ويتابع شريف: وإذا كنت أكن كل التقدير والاحترام لكل من قدم لي يوما مساعدة أو أنار شمعة في يوم مظلم من أيام حياتي وساعدني على مشقة التنقل نظراً لظروف إعاقتي، فإنني أطالب الجميع بأن يتعاملوا مع المعاقين فقط كبشر لا أكثر دون نظرات الشفقة التي تحرم المعاقين من إحساسهم بقدراتهم وبذاتهم ودون نظرات التشفي التي تضع المعاق وجهاً لوجه مع اليأس والاستسلام .

ولا ينسى شريف ما قدمه أبواه له من إصرار على دعمه وتشجيعه وبذل كل ما يمكن حتى ينال بعضاً من حقوقه ويتخطى عقبات إعاقته، ولرفيقة دربه زوجته المخلصة كما يصفها نصيب كبير من إعزاز وتقدير شريف على كل ما قدمته له من دعم وتشجيع .

ويعدّ شريف أن أسعد لحظة حياته هي يوم أكرمه الله بابنته نادين التي رأى فيها الأمل لغد أفضل ورأى فيها أن الحياة يمكن أن تسير للأحسن مع العزيمة والإصرار .

ويبقى لشريف أحلام وطموحات على مستوى كل المعاقين وعلى مستواه الشخصي يسعى إلى تحقيقها، فيتمني أن يأتي اليوم الذي ينال كل معاق حقه في حياة كريمة تتناسب مع قدراته وإمكاناته الشخصية التي لا يعدم معاق جزء كبير منها رغم حواجز الإعاقة . وعلى المستوى الشخصي يطمح شريف في أن يحصل على درجة الماجستير ومن بعدها الدكتوراه وأن يكمل مشوار دراساته المتخصصة في الإعلام وفي اللغات .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"