تركيا والأمن القومي المصري

04:28 صباحا
قراءة 3 دقائق
د. خليل حسين

التدقيق في السياسة الخارجية التركية في الشمال الإفريقي، يُظهر أن ثمة نية ومخططات واضحة الأهداف باتجاه مصر شرقاً وباتجاه تونس والجزائرغرباً

لطالما حاولت تركيا الولوج إلى عمق المنطقة العربية؛ عبر تدخلات مباشرة في أزماتها، وبخاصة بعد عام 2010، وهنا يمكن تسجيل بداية التدخل في الوضع العراقي، ومن بعده في الأزمة السورية وعلى نطاق واسع، إلا أن الطموح التركي في التخريب، ونشر الفوضى، نقلته عملياً وفعلياً إلى ليبيا منذ عام 2015؛ حيث نقلت الآلاف من المقاتلين من سوريا، وعمدت إلى دعم تحالف الوفاق الوطني بمواجهة حكومة حفتر؛ إذ أخذ التدخل التركي أبعاداً أكثر توسعاً وخطورة بما يخص الأمن القومي المصري؛ جرّاء العمليات العسكرية التي يقوم بها تحالف الوفاق باتجاه الشرق نحو الحدود المصرية.

المنحى الجديد الذي اتخذته المعارك الأخيرة، باتجاه مدينة سرت الساحلية والمفتاح لمناطق النفط في الشرق الليبي، استدعت موقفاً واضحاً من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي هدد بالتدخل العسكري في حال تواصلت المعارك التي اعتبرها تهديداً مباشراً للعمق الحيوي المصري في الغرب، وهو موقف اعتبرته القوى الفاعلة في الأزمة الليبية موقفاً صريحاً ينبغي التعاطي معه بجدية؛ لما له من آثار وتداعيات إقليمية وحتى دولية في غير اتجاه. فالأمر لا يقتصر على القاهرة وأنقرة؛ بل يمتد إلى كل من واشنطن وموسكو وباريس التي لكل منها موطئ قدم وحسابات خاصة لها في الموضوع الليبي بشكل خاص، والقارة الإفريقية بشكل عام.

فمصر التي تعد ليبيا عنصراً بارزاً في تحديد سياساتها العربية في إفريقيا الشمالية، تنظر للتدخل التركي من وجهة دعم «الإخوان» المسلمين عبر تحالف الوفاق، وما يشكله من خطر مباشر على نظام الحكم في مصر، وهو أمر لطالما شكَّل نقطة نزاع داخلي بين «الإخوان» في مصر والأطراف الأخرى المناوئة لها. وهي نقطة رخوة في الخاصرة المصرية الداخلية التي تستغلها تركيا بدقة متناهية؛ للنفاد نحو القارة الإفريقية، التي سبق وأن وضعت ثقلاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً في دول القرن الإفريقي، الأمر الذي تعده أنقرة مدخلاً جيوسياسياً وازناً؛ لحصار مصر، لاسيما وأن ما يجري اليوم من توتير إثيوبي لقضية «سد النهضة» يندرج في إطار الاستثمار التركي بقضايا الأمن القومي المصري.

علاوة على ذلك، أدى التدخل التركي في الأزمة الليبية إلى خلط تحالفات ومصالح وأوراق دولية أخرى لكل منها حسابات خاصة، فعلى الرغم من العلاقات المصرية الروسية الدافئة حالياً، فإن ثمة تقاطعاً في المصالح بين أنقرة وموسكو، الذي يمكن أن يؤثر في العلاقات المصرية الروسية مستقبلاً، وهو أمر مرهون بمدى الاستجابة التركية للسياسات الروسية في سوريا؛ إضافة إلى ذلك ثمة حسابات أمريكية خاصة في الأزمة الليبية حركتها حالياً عبر موفد خاص؛ للتأثير في مجريات الصراع الداخلي، وهو أمر يعاكس مواقف واشنطن من أنقرة؛ بعد التحوّل التركي الملحوظ شمالاً نحو موسكو.

إن التدقيق في محددات السياسة الخارجية التركية في الشمال الإفريقي وبخاصة الأزمة الليبية، يظهر أن ثمة نية ومخططات واضحة الأهداف والوسائل باتجاه مصر شرقاً وباتجاه تونس والجزائر غرباً، وهو أمر يتم العمل عليه جدياً في دوائر القرار التركي حالياً، وهو ما يفسر السلوك التركي باتجاه دعم الوفاق الوطني؛ للسيطرة على المناطق النفطية شرقي ليبيا، والتي سيؤمن لها تدفقاً نفطياً وغازياً وفق شروطها ورؤيتها أولاً، ووضع خطط تنفيذية لسياساتها شمال إفريقيا.

لقد عمدت أنقرة إلى زرع وسائل وأدوات سياسية واقتصادية وأمنية سابقة في العديد من المناطق الاستراتيجية بالنسبة لها، بدأت في العراق ومن ثم سوريا وتمددت إلى لبنان والقرن الإفريقي واليوم في شمال إفريقيا، وهو مظهر يعيد إلى الأذهان نموذج الدور للدولة التركية الذي لعبته سابقاً بشكل معاكس كدولة حاجزة إبان الحرب الباردة بمواجهة الاتحاد السوفييتي، فيما اليوم تبحث عن دور تمددي بصرف النظر عن المؤهلات والقدرات التي يبدو مشكوكاً بأمرها.

عن الكاتب

دكتوراه دولة في القانون الدولي .. رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية واستاذ القانون الدولي والدبلوماسي فيها .. له أكثر من 40 مؤلفاً ومئات المقالات والدراسات البحثية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"