فرنسا وشرق «المتوسط»

04:31 صباحا
قراءة 3 دقائق
د. خليل حسين*

سُجل في السنوات الماضية اهتمام لافت لشرق البحر المتوسط من أطراف دوليين وإقليميين كُثر، على قاعدة اكتشافات الطاقة وبكميات واعدة، وثمة من يقول إن من بين أسباب الأحداث التي شهدتها المنطقة كان الصراع على الطاقة، واستراتيجيات السيطرة، والتحكم فيها. ومن بين تلك القوى فرنسا التي دخلت وبقوة مؤخراً، على فعاليات الشد والجذب الجارية حالياً، فما هو حجم القدرة الفرنسية على تحقيق مصالحها الاستراتيجية في ظل تنافس ربما يصل لحد الصدام مع دول أخرى، كتركيا مثلاً؟
لم تتراجع فرنسا عن فكرة العودة إلى الشرق الأوسط بعد خروجها مع بريطانيا في منتصف خمسينات القرن الماضي، كنتيجة للعدوان الثلاثي على مصر، وحلول أمريكا مكانهما تحت مسمى ملء الفراغ، وقد حاولت باريس عبر دبلوماسيتها النشطة في غير مناسبة، إظهار اهتمامها بالمنطقة، وكان آخرها الدخول من البوابة اللبنانية بعد زلزال بيروت، وقبلها الحضور في الأزمة الليبية ومواجهة الدور التركي الذي سجل مؤخراً، تماساً عسكرياً بحرياً يؤسس لمسارات صدامية معظم أسبابها متوفرة، وبقوة. وفرنسا اليوم التي تسعى للعب أدوار نشطة دولياً بهدف إثبات موقعها بين الدول العظمى ترى شرق المتوسط المكان الجيوسياسي الذي يشكل مجالاً حيوياً تاريخياً بالنسبة إليها، من خلال العلاقة مع لبنان الذي يعتبر ضمناً، رأس حربة لتنفيذ سياساتها الاستراتيجية، وما يعزز تلك السلوكات حالياً الجانب الاقتصادي الطاقوي في المنطقة.
إلا أن الطموح الفرنسي دونه عقبات ومتاعب ليست بالبسيطة، أو العابرة، تبدأ بما يمكن أن تواجهه أمريكياً، ولا تنتهي بقوى إقليمية لها سياساتها ومصالحها أيضاً في المنطقة، ومن بينها تركيا، وإيران، وإسرائيل، وغيرها. وفي هذا الإطار يسجل حالياً تماس عالي التوتر مع أنقرة التي دخلت أيضاً وبقوة، على مشاريع وسياسات الطاقة في شرق المتوسط. فتركيا التي تتوجس وتحاول الخروج من فزاعة الطاقة التي تقيدها، عمدت إلى مسارات صدامية وصلت إلى حدود تكريس وقائع جديدة متصلة بمحاولة وضع اليد على أجزاء من المناطق الاقتصادية الخالصة المتلاصقة مع مناطق كل من اليونان، وإيطاليا، وقبرص، ومصر، وسوريا، وهي في ذلك تحاول إعادة الصورة العثمانية إلى الأذهان، الأمر الذي لا يتماشى وتطلعات قوى كثيرة أخرى. وبصرف النظر عن حدود القوة الفرنسية وفعاليتها في تكريس سياسات مرغوبة، فإن الحضور الفرنسي اللافت حالياً هو بالتنسيق والرغبة الأمريكية ربطاً بالانتخابات الرئاسية، وحاجة إدارة الرئيس دونالد ترامب لتسجيل وتحقيق مكاسب في غير قضية دولية، وبالتالي، لا يعتبر هذا العامل ثابتاً، بل متغير، وبالتالي، لا يمكن التعويل عليه في حسابات القوة الفرنسية ووسائل تحقيق أهدافها، الأمر الذي يتطلب ديمومة الرضا الأميركي عن حجم ووزن الدور الفرنسي في المنطقة، والمساحة التي يُسمح لها بإشغالها.
إن المحاولات الفرنسية الدؤوبة لتكريس مسارات وسياسات محددة لإعادة دور مفقود، أو في أحسن الأحوال متواضع، لم يكن عابراً في الفترة الأخيرة، فهي دخلت على خط الأزمة الليبية في مواجهة الدور التركي، وحالياً تسعى إلى رسم مسار محدد للأزمة اللبنانية، ما يعتبر سياسات نشطة تأمل من خلالها تحقيق استراتيجيات العودة الاقتصادية والاستثمارية في المنطقة، وهي بطبيعة الحال تستحق هذا الجهد الكبير، بصرف النظر عن حسابات وحجم الربح، والخسارة.
وفي المحصلة، تعتبر العودة الفرنسية إلى المنطقة مشروطة برضا واتفاق أطراف آخرين، فباريس لا يمكنها التقرير منفردة في ملفات الشرق الأوسط وبحرها، بخاصة أن المنطقة تاريخياً، كانت، ولا تزال، تعتبر مفتاحاً لصعود دول كبرى نحو العظمة في لعب أدوار متميزة في النظام العالمي، وهنا يكمن سر التنافس والصراع على منطقة تعتبر الأشد حساسية، والأكثر جذباً في العالم، وهو أمر تدركه تماماً فرنسا.


*رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

عن الكاتب

دكتوراه دولة في القانون الدولي .. رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية واستاذ القانون الدولي والدبلوماسي فيها .. له أكثر من 40 مؤلفاً ومئات المقالات والدراسات البحثية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"