ما إن تبدأ علامات التقدم في العمر حتى يبدأ هاجس محاربتها والقضاء عليها هدف يسعى الكثيرون إلى تحقيقه . فظهور الشعر الأبيض والتجاعيد التي تملأ الجلد المتعب وخشونة البشرة، وضعف أداء أعضاء الجسم، والعديد من العلامات الأخرى أصبحت مصدر قلق وخوف لدى الجنسين، ما أسهم بشكل كبير في التوجه إلى المنتجات والعمليات التجميلية .
مع عجز التقدم العلمي في إطالة عمر الإنسان كثرت المحاولات والتساؤلات حول كيفية تأخير علامات الشيخوخة، وأصبحت الإجابة عليها من التحديات التي تسعى الأبحاث والدراسات إلى مواجهتها والتوصل إلى حلول تقضي عليها أو تؤخر ظهورها .
ولا شك في أن التطور التكنولوجي في المجالين الطبي والتجميلي قد أسهم حتى الآن في إيجاد بعض الحلول من خلال التركيز على اتباع أسلوب حياة صحي والمحافظة على اللياقة البدنية والحيوية والقدرات الذهنية للإنسان باعتبارها أفضل الطرق لتأخير زحف الشيخوخة على الجسم .
الأسباب الفسيولوجية
وحول الأسباب الفسيولوجية للشيخوخة قال الدكتور ثيري هيرتوج الخبير في العلاج بالهرمونات ورئيس الجمعية العالمية لمحاربة الشيخوخة وجمعية الهرمون الدولية: "تتمثل التأثيرات الفسيولوجية للشيخوخة في عمليات التلف التي تحدث خلال الحياة لأسباب عديدة مثل إنتاج الجذور الحرة التي تؤدي إلى تلف الأنسجة، إضافة إلى انعدام كفاءة نظام التغذية، ومن بين أهم عوامل الشيخوخة، وربما الأهم، هو الهبوط التدريجي لمستويات الهرمون التي تجرد النسيج من مجموعة الأنوية الضرورية لتأدية وظائفها بشكل جيد" .
وأضاف، في الحقيقة يتسبب الخلل الهرموني بالتجاعيد وتحول لون الشعر إلى الرمادي وفقدان الشعر والعضلات ونحافة الجلد وبروز الانحناءات والبدانة والترهل وهبوط تدريجي في وظائف الأعضاء . أما الخبر الجيد فهي أن هذه العلامات الجسدية التي تشير إلى تقدم العمر وضعف وظائف الأعضاء بسبب الشيخوخة يمكن التخلص منها للشعور بنشوة الشباب من خلال توفر الهرمونات .
وأوضح كلنا نعاني حالات متفاوتة في أحد الهرمونات ضمن مجموعة الهرمونات المهمة والبالغ عددها ،35 حيث من المتعذر أن يولد الطفل من دون أي خلل في الهرمونات، وحتى لو ولد كذلك فإنها سوف تختل في وقت لاحق، وخلال عملية التلف التي تحصل في فترة الطفولة أو فترة البلوغ فإن حالات العدوى والإجهاد والنشاط المفرط والأخطاء في نظام التغذية والتلوث والعوامل الأخرى تسهم في إضعاف الغدد التي تحمي الهرمونات، وهو الأمر الذي يتسبب في خفض إنتاج الهرمون، وبرأيي فإن أهم أسباب الشيخوخة تعود إلى حالات الخلل في الهرمونات ويمكن تأخير الشيخوخة من خلال عملية علاج الهرمونات .
العلاج بالهرمونات وكيفية تعاطيها
وعن علاقة الهرمونات بالشيخوخة وكيفية تعاطيها قال: "يتكون العلاج الهرموني المكمل من جرعة من الهرمونات المفقودة في الجسم، وخلافاً لتعاطي الهرمون في الألعاب الرياضية من خلال الحصول على جرعات أعلى من النشاط اليومي بمعدل يتراوح ما بين 10 و100 مرة، حيث تعطى أجزاء بسيطة من الجرعة لتعادل إنتاج الهرمون اليومي (20 أو 30 وحتى 70%) منه في العلاج الهرموني، وقد أظهرت العديد من الدراسات العلمية أن الهرمونات المتطابقة بيولوجياً، وهي هرمونات تتمتع بنفس التركيب الجزيئي للهرمونات في أجسامنا تعتبر أكثر أماناً لأن الجسم يتكيف تماماً معها، وفي المقابل فإن الهرمونات الاصطناعية قد يكون لها تأثيرات سلبية أكبر بسبب التغيرات الصغيرة في التركيب الجزيئي مقارنة بالهرمونات الطبيعية، ومع ذلك في بعض الظروف التي تتطلب اتخاذ إجراءات أقوى أو أكثر لفترات طوال قد تكون هذه الهرمونات مفيدة" .
وأضاف، يفضل تعاطي الهرمونات عن طريق الفم مثل هرمونات الغدة الدرقية (الهرمونات التي تحفز الحيوية والذكاء) وهرمون ديهيدر وبياندر وستيرون الذي يقلل كتلة الشحوم وتصلب الشرايين، التي تسبب شيخوخة الشرايين، ويمكن تعاطي هرمونات أخرى مثل الأوكسيتوسين (الهرمون الذي يحسن الارتباط والعلاقة الجنسية) تحت اللسان أو الأنف، ويمكن إعطاء الهرمونات الأخرى بوضعها على الجلد، وهذا الأمر فعال في حالة تعاطي هرمون الاستروجين (الهرمونات الأنثوية، التي تحسن نمو الثدي ومستويات الطاقة) أو هرمون تستوستيرون (هرمون الذكورة الذي يحسن من قوة وحجم العضلات وحجمها، ويعزز الدافع الجنسي لدى الرجال والنساء)، ويمكن تعاطي الهرمونات الأخرى عن طريق الحقن تحت الجلد مثل هرمون النمو، الذي يعمل على التخلص من الإرهاق والقلق المستمر ويقلل من بدانة منطقة البطن)، كما يمكن إعطاء بعض الهرمونات عن طريق الحقن في العضل مثل التستوستيرون أو الكالسيتونين (التي تزيد كثافة العظام) .
الجرعات المناسبة
وذكر الدكتور ثيري أن معظم العلاجات الهرمونية يجب أن تعطى يومياً لمدى الحياة من أجل إضعاف الغدد المفرزة للهرمون، ومن خلال الجرعات الصغيرة التي يجرى إعطاؤها، حيث يتم الحصول على نتائج بعيدة الأمد من خلال إضعاف الغدد المفرزة للهرمون، أما في حالة حقن هرمون التستوستيرون في العضل، فإن حقنة واحدة كل أسبوعين تفي بالغرض، ويصف بعض الأطباء للهرمونات التي يجب زرعها في العضلات كل شهرين إلى أربعة أشهر .
وأوضح أن العديد من العلاجات الهرمونية تقلل من خطر السرطان، ومع ذلك يجب البحث على الدوام عن التوازن الصحيح مع العلاج الهرموني (تجنب الإفراط أو النقص)، وغالباً ثمة حاجة إلى توفر الهرمون العدائي الذي يمنع ويحول من دون تأثيرات الهرمونات الأخرى، ويظهر هذا الأمر بشكل خاص مع الهرمونات الأنثوية حيث يعمل البروجسترون الطبيعي على منع تورم الثدي الناجم عن هرمون الاستروجين المفرط، ويزيد هذا التورم من خطر الإصابة بسرطان الثدي هذا .
مستجدات العلاج
وأشار إلى أن منشطات نهايات الكروموسومات (التيلوميرات) أثبتت دورها في تقليل التجاعيد، وتحسين البصر، وتحفيز الجهاز المناعي بشكل آمن، وهي عبارة عن مركبات تعمل على إطالة نهايات الكروموسومات، التي تصبح قصيرة بعد كل عملية انقسام للخلايا وتسبب شيخوخة الخلايا الدائمة في خاتمة المطاف حالما تصبح هذه التيلوميرات في الخلية قصيرة جداً، وتعمل منشطات التيلوميرات على إعادة تحفيز إنزيم التيلوميرات النائم في معظم الخلايا باستثناء الخلايا الجذعية، وبعض خلايا الطفل التي يمكن تمييزها، إضافة إلى العلاج الهرموني، حيث يمكن الحصول على عملية عكس الشيخوخة عشرة أو خمسة عشر سنة إلى الوراء في المظهر الجسدي ووظائف الأعضاء الداخلية، مع إضافة قنينة واحدة لحقن الهرمونات تحت الجلد مثل هرمون النمو IGF-1 (وهو عامل نمو رقم واحد ويشبه الأنسولين، حيث يعد الهرمون الرئيسي لثخونة الجلد والعضلات والشعر)، وكذلك الهرمون ريلاكسين (الذي يمنح مرونة الجلد والأجهزة) الذي يمكن تعاطيه مع الأنسولين لبعض الأشخاص (يحفز امتصاص الأحماض الأمينية في العضلات والجلد، وزيادة نشاط الهرمونات المذكورة في أعلاه) .
تأثير الشيخوخة على صحة المرأة
من جهتها تحدثت الدكتورة جنيفر لاندا طبيبة نسائية عن تأثير الشيخوخة على صحة المرأة النفسية والجسدية والاجتماعية وقالت: "إن الشيخوخة تؤثر في النساء بشكل مختلف عن الرجال، ويتمثل الجزء الأبرز في الجوانب السلبية للشيخوخة في انخفاض الهرمونات لدينا مع التقدم في السن، وفي الحقيقة تتحكم الهرمونات في كل شيء في أجسامنا، وبالنسبة إلى الرجال تنخفض الهرمونات خلال فترة زمنية أطول، ولأن هذا الأمر يحصل بشكل بطيء لا يشاهد الرجال آثار هذا التغير بشكل كبير، كما تحدث الشيخوخة خاصة انخفاض الهرمون في النساء بسرعة، وقد تنخفض الهرمونات مثل هرمون البروجسترون والتيستوستيرون ببطء مع مرور الوقت ويمكن أن يبدأ هذا الانخفاض في عمر الثلاثين، كما يحدث انخفاض هرمون الاستروجين فجأة في سن اليأس مما يتسبب بأعراض كبيرة لكثير من النساء" . وأضافت، من هذه الأعراض ضعف الذاكرة، والاكتئاب، والقلق، وغيرها من الأعراض الأخرى، وجسدياً قد تبدأ المرأة بالمعاناة من فورات حارة، ولكن يرتبط هذا الأمر مع انخفاض الهرمون، على الرغم من أنه أقل وضوحاً من الحالات الأخرى الظاهرة مثل التعب، وزيادة الوزن، وآلام المفاصل والعضلات، والحكة، وجفاف الجلد، وفقدان الشعر على الرأس ولكن نمو الشعر على الذقن إلى جانب العديد من التغيرات الجسدية التي لا نستطيع أن نراها مثل ترقق العظام وتراكم الصفائح الدموية في الشرايين وغيرها .
وأوضحت أن تأثير الشيخوخة على الصعيد الاجتماعي، قد يجعل المرأة تميل إلى الانطواء بسبب مشاعر الاكتئاب، حيث ذكرت عدة نساء أن الشعور بالفرح قد اختفى بعد فقدان الاستروجين لديهن، وقد يراودهن شعور بالقلق والخوف من المجتمع وبالتالي تفادي الاختلاط الاجتماعي، وقد يتطور القلق لدرجة تعزف بعض النساء عن مغادرة منازلهن والتوقف عن قيادة السيارة في المنطقة، وفي الحقيقة يسهم فقدان الهرمونات في إحداث تحولات جذرية في طريقة حياة المرأة، ومن خلال علاج الهرمونات والمتطابقة يمكن للنساء استعادة نمط الحياة السابق .
علاقة الأمراض المزمنة بالشيخوخة
وحول علاقة البدانة وأمراض القلب والأوعية الدموية بالشيخوخة، قال الدكتور جوزيف لامب مستشار الطب التكاملي والوظيفي واستشاري في علاج البدانة وأمراض القلب والأوعية الدموية فيما يتعلق بمحاربة الشيخوخة: "إن إحدى ثمار حياتنا اليومية المعاصرة توفر لنا العديد من الخيارات، وهو الأمر الذي يبدو عملياً ومريحاً وذا جدوى اقتصادية، ومع ذلك فإن العديد من هذه الخيارات ليست تلك التي صنعها أسلافنا الذين كانوا يعيشون على الصيد ولا حتى أجدادنا، ونتيجة لعدم التوافق بين بيئة جيناتنا والبيئة المختلفة التي نحياها، يرى الكثيرون أن جودة الحياة الحالية كانت على حساب سرعة سريان الشيخوخة في أجسامنا، مما جعلنا نعاني تغيرات في تركيبة الجسم مثل الأكسدة، وانخفاض المناعة والحروق وشذوذ سكر الدم (مقدمات مرض السكري)، ونتيجة لذلك، نصاب بالسمنة ومقاومة الأنسولين، والتعب والإجهاد وظهور الأعراض وأمراض الشيخوخة المتسارعة، أمراض القلب والأوعية الدموية، والسكري، والسرطان، واضطرابات المناعة الذاتية، والخرف والوفاة المبكرة" .
وأضاف، أصبح أسلوب الحياة الحالي يتصف بالتوتر والقلق والضغط النفسي الدائم وهذا يعتبر أحد مشاكل الحياة الحديثة، حيث أصبحنا نتناول أغذية فقيرة من حيث الفائدة، ولا نمارس الرياضة، لهذا تعتبر الحياة ضمن المجتمع والسعي لإيجاد معنى للحياة من خلال الممارسة الروحية هو ترياق لهذا القلق المستمر الذي يعاني الكثيرون .
عوامل زيادة الشيخوخة
وتحدث الدكتور نسيم أشرف اختصاصي طب داخلي الرئيس التنفيذي ورئيس الأطباء في مركز DNA للطب التكاملي والعافية في أبو ظبي عن تأثير الشيخوخة على المقيمين في دولة الإمارات وفي الشرق الأوسط وقال: "خلال القرن الماضي، وبفضل توافر اللقاحات والمضادات الحيوية وزيادة الوعي حول الصحة، طالت دورة الحياة من 35 عاماً إلى 70 عاماً في الشرق الأوسط، ويعني هذا الأمر أن شريحة أكبر من الناس تنعم بحياة أطول، ولكن مع الأخذ في الاعتبار تفشي الأمراض المزمنة مثل مرض السكري وأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم والسرطان .
وأضاف، هناك عوامل تزيد من الشيخوخة محلياً، كحدوث تغيرات في نمط الحياة التي تكون مصحوبة بالإجهاد، وكثرة الجلوس وانعدام الحركة وتناول وجبات غنية بالدهون والسكريات، حيث تعتبر هذه العوامل المسببات الرئيسة للشيخوخة "المبكرة"، ويبدأ هذا الأمر في مرحلة الطفولة بسبب السمنة وداء السكري، التي تعتبر أحد الأمراض الشائعة حالياً في الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي، وعلى الرغم من أن أشعة الشمس تتوفر على مدار السنة، يعاني السكان في الإمارات من نقص فيتامين (د) بشكل كبير جداً لأنهم لا يخرجون في الهواء الطلق لممارسة الرياضة .
تدابير الوقائية
وينصح الدكتور نسيم كل شخص بإجراء فحوصات وقائية، التي تتضمن اختباراً للحمض النووي للفرد والتمثيل الغذائي بما في ذلك مستويات الجلوكوز، والتحقق من مقاومة الأنسولين الذي يتعبر سبباً رئيسياً للشيخوخة والوفاة المبكرة، وكذلك إجراء فحص الحساسيات الغذائية التي تسبب الالتهابات داخل الجسم، وكذلك مستويات الكوليسترول في الدم بما في ذلك حجم الجسيمات ومستويات الهرمونات، كما ينبغي البدء بعدها ببرنامج متكامل للحصول على نمط حياة صحي وجيد، وهذا البرنامج الحياتي ليس مجرد توصيف للأفعال التي ينبغي القيام بها بل يشمل برنامج تغذية متخصصاً وفقاً للحمض النووي للشخص والحساسية الغذائية والحساسيات الأخرى، إلى جانب اتباع نظام رياضي وفقاً للعمر ومستوى اللياقة البدنية (التي يحددها أيضا اختبارات الحمض النووي) واتباع برنامج لإدارة الإجهاد، الذي يعتبر مهماً جداً لإبطاء الشيخوخة أو عكسها . وأوضح أنه بوسع الطبيب تقديم وصفة بالفيتامينات والمكملات الغذائية المناسبة بما في ذلك مضادات الأكسدة والهرمونات المطابقة إحيائياً والضرورية لتصحيح الهبوط المقترن بالشيخوخة الذي يظهر بعد سن الخامسة والعشرين، إضافة العلاجات الخارجية كاستخدام الليزر غير الجراحي لشد الوجه وإزالة التجاعيد والانحناءات، حيث تسهم هذه العلاجات في إعادة النشاط والحيوية وستعادة مظهر الشباب المرغوب به، وعموماً فإن تحقيق التوازن والانسجام في جميع جوانب حياتنا بدءاً من النظام الغذائي إلى النوم وممارسة الرياضة هو أفضل وسيلة لإبطاء الشيخوخة أو حتى تغيير نتائجها نحو الأفضل .