تتعدد الأمراض الوراثية وتشكل هاجساً مقلقاً لأصحابها ومن حولهم، فالوقاية الاستباقية إلى جانب توعية المجتمع والاكتشافات العلمية والتطورات البحثية، جميعها من شأنها أن تقلل من نسب التعرض لهذه الأمراض، وتعد فحوص ما قبل الزواج ضرورة ملحة لتجنب إنجاب أطفال يعانون أمراضاً تصاحبهم وتعكر صفو حياتهم وحياة ذويهم .
ونسلط الضوء في السطور القادمة على هذه الأمراض وطرق تفاديها .
توضح الدكتورة مريم مطر رئيسة مجلس إدارة جمعية الإمارات للأمراض الجينية، أن عدد الأمراض الوراثية المكتشفة في الإمارات بلغ 270 مرضاً، 70 منها اكتشفت خلال آخر ثلاث سنوات، وجرى حصر هذا العدد بناءً على بحوث صادرة عن المركز العربي للدراسات الجينية الذي يتابع ويرصد نظرياً كل ما هو خاص بدراسات الأمراض الوراثية التي تصدر عن المنطقة من خلال بحوث علمية محكمة وليست دراسات محلية فقط .
وتذكر أن أهم الأمراض الجينية الأكثر شيوعاً في الإمارات التي توليها جمعية الإمارات للأمراض الجينية اهتماماً كبيراً في البحث والفحوص المبكرة، أمراض الدم الوراثية هي (الأنيميا المنجلية، الثلاسيميا ومرض أنيميا "جي 6 بي دي") والتوحد وارتفاع الكولسترول العائلي، إضافة إلى تشوهات العمود الفقري وسرطان الأطفال وسرطان الثدي والخرف العائلي وأخيراً السكري .
وتضيف أن جمعية الإمارات للأمراض الجينية واحدة من الجمعيات ذات النفع العام (الجمعية الوحيدة والأولى في المنطقة) التي تعمل على البحوث الميدانية الخاصة بالأمراض الوراثية ومدى انتشارها وطرق الوقاية منها من خلال التحاليل الطبية، حيث تجري جميع الفحوص في مختبرها .
واستطاعت الجمعية برعاية الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع والرئيس الفخري للجمعية، أن تفحص 140281 مواطناً من عمر 18 عاماً إلى 28 عاماً، وكانت نتائج قيمة تفيد المجتمع العلمي وتبشر بأجيال أصحاء في المجتمع الإماراتي وعلى سبيل المثال أثبتت الفحوص أن انتشار مرض بيتا ثلاسيميا في المجتمع الإماراتي 3% فقط على خلاف بحث سابق كانت نتيجته 12%، وهذا مؤشر إيجابي بالنسبة لتعداد السكان من الإماراتيين .
وتقول الدكتورة مريم مطر إن ارتفاع نسبة زواج الأقارب من أهم أسباب انتشار الأمراض الوراثية في الإمارات، إضافة إلى إهمال فحوص ما قبل الزواج أو الفحوص التي تساعد على الكشف المبكر عن الأمراض الوراثية والجينية، إضافة إلى عوامل بيئية تسهم في استمرار ظهور أمراض جينية معينة، وعدم الوعي الكافي لأهمية الكشف المبكر لهذه الأمراض .
وحول طرق الوقاية من الأمراض الوراثية في الإمارات تشدد الدكتورة مريم مطر على تجنب زواج الأقارب، خصوصاً من ذوي قرابة دموية قريبة، والكشف المبكر عن الأمراض الوراثية في الجنين عن طريق تحليل السائل الأمنيوسي المحيط به، أو من خلال المنظار الرحمي وأخذ عينات من دم الجنين عند الشك في إصابته بأحد الأمراض الوراثية، بجانب تقديم النصح أو الإرشاد الوراثي للأسر التي يظهر في أحد أفرادها مرض وراثي، إذ إنه من خلال دراسة التاريخ العائلي وتاريخ المرض، يمكن تحديد طريقة وراثة هذا المرض وتقديم النصح الوراثي لهذه العائلات، وتقديم الإرشاد الوراثي للمقبلين على الزواج .
تحديث فحوص الزواج
وأكدت الدكتورة مريم مطر ضرورة أن تتوجه كل أسرة سبق لها ولادة طفل مشوه أو متخلف عقلياً لأحد المراكز المتخصصة في علاج الأمراض الوراثية للتيقن من طريقة توارث هذه الأمراض واحتمال ولادة أطفال مصابين في المستقبل والعلاج المبكر إن أمكن ذلك .
وأضافت أنه حان الوقت لتحديث عدد من الفحوص الخاصة بالأمراض الوراثية في قانون ما قبل الزواج بناء على المسح المجتمعي الذي شمل 140281 وتم إجراؤه في مختبر الشيخ زايد لأبحاث الأمراض الوراثية في جمعية الإمارات للأمراض الجينية .
وحول طرق العلاج تقول: إن العلم في تطور سريع وخاصة في العلاج الجيني للأمراض المستعصية وقد أخذت أغلب هذه الأمراض الوقائية نصيباً كبيراً في أولوية البحوث السريرية في العلاج بخلايا النخاع، وكما هو حال جميع الأمراض فإن إيجاد مراكز متخصصة في الدولة يحتاج لفترة أطول، حيث تعتمد بشكل كبير على الكوادر المحلية المؤهلة والفريق العلمي المتكامل لتقديم هذه الخدمة واهتمام الدولة بالقطاع الصحي يبشر بالخير الكثير .
وأوضحت أن علاج الأعراض الناتجة عن الإصابة بالمرض الوراثي يقلل من تأثيره في المصابين . فعلى سبيل المثال يحتاج المصابون بأمراض تحلل الدم إلى نقل الدم أو زراعة نخاع العظم، كل حسب تشخيص حالته، وهناك بعض الأمراض التي تتطلب الحمية عن نوع معين من الطعام مثل (جي 6 بي دي)، حيث يمنع أكل أي نوع من البقوليات، كما أن هناك قائمة من الأدوية الممنوعة مثل الأسبرين، وهناك أمراض أخرى مثل الأمراض الاستقلابية تتطلب اتباع حمية عن نوع معين من السكريات أو البروتين أو الدهون، والأبحاث جارية لإيجاد وسائل لاستبدال المورثة المريضة في عدد قليل من الأمراض الوراثية كثيرة الانتشار .
وتقول د . مريم مطر: وبصورة عامة نعمل في جمعية الإمارات للأمراض الجينية مع جميع شركائنا ضمن البرنامج الوطني للتوعية والوقاية من الأمراض الوراثية، ويعد التجاوب السريع من الجهات المعنية في الإمارات أحد أسباب النجاح والتميز، فبمجرد تبني بحث علمي محكم تقوم الجمعية بتسليمه للجهات المعنية ويتم التعامل السريع مع توفير كل الإمكانيات التي تفعّل دورنا في التأثير على المجتمع، ومن خلال قدرة متطوعي الجمعية على إيصال المعلومة لشبابنا داخل الجامعات ومؤسسات التعليم العالي بصفة عامة والتعاون المستمر مع وزارة التربية والتعليم، في تنفيذ العديد من الندوات التوعوية المستمرة خلال العام الدراسي، استطعنا أن نحصد نتاج جهد قمنا به خلال السنوات السابقة، فالكثير من الشباب يراجعون الجمعية لتحديث معلوماتهم وفحص بقية أفراد أسرهم الكبيرة الممتدة .
وتضيف: شهد مستشفى الفجيرة ثمرة جميلة أذكرها وهي اعتماداً على إحصاءات المواليد الجديدة، حيث تمت ولادة طفل واحد فقط مصاب بالثلاسيميا منذ شهر يوليو/تموز 2012 حتى الآن مقارنة بإحصاءات عام 2004 حيث كان يولد طفل في كل شهر يحمل المرض، ويعد قانون الزواج من البرامج الوطنية المتميزة التي تقي من الأمراض الوراثية، لكنه غير قادر على منع اثنين يحملان المرض، من أن يتزوجا، وبالتالي هناك خطر من زواجهما، الأمر الذي قد تنتج عنه ولادة أطفال مصابين بأمراض وراثية، ولذلك يجب ان تتوحد الجهود للتركيز على رفع الوعي لدى الأجيال في المناهج التعليمية من الثانوية لكي تساعدهم على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الصحيح مبكراً .
أمراض الدم الوراثية
وبخصوص أمراض الدم الوراثية ذكرت الدكتورة مي ياسين رؤوف اختصاصية علم أمراض الدم المدير الطبي لمركز خدمات نقل الدم والأبحاث بالشارقة، أن فقر الدم من الأمراض الوراثية الأكثر انتشاراً وعرفته بأنه نقص في قدرة الدم على حمل الأوكسجين إلى خلايا الجسم وقد يحدث ذلك بسبب قلة عدد كريات الدم الحمراء من دون نقص في كمية الدم أو نتيجة لنقص كمية الدم .
وتذكر الدكتورة مي رؤوف عدداً من أمراض الدم التي تتوارث مثل، فقر الدم المتوسط أو الوراثي أو ما يطلق عليه الثلاسيميا Thalassemia وفقر الدم المنجلي sickle Cell Anemia وحالات اعتلال الخمائر (الأنزيمات) Enzymes، وهذه الأمراض تنتقل من الوالدين إلى الأبناء في صورة وراثية .
وتعد الثلاسيميا أحد أمراض الهيموجلوبين وهي مجموعة من الأمراض الناشئة عن خلل في إنتاج الهيموجلوبين أو بمعنى آخر خلل في تكوين بعض سلاسل بروتين الجلوبين ( مثل ألفا (a)، وبيتا (B)، وجاما(Y)، ودلتا (d) اللازمة لتكوين الهيموجلوبين في الكريات الدموية الحمراء .
أما عن أعراض ومضاعفات مرض الثلاسيميا، فتقول الدكتور مي رؤوف: بصورة عامة يؤدي مرض الثلاسيميا إلى حدوث تكسر في كريات الدم والذي يؤدي إلى فقر الدم في فترة مبكرة في الحياة ويصاحبه تضخم في الكبد والطحال، ونشاط نخاع العظم الذي يؤدي إلى تغيير في عظام الوجه والفكين وتضخم القلب واضطراب وظائفه، ويتم تشخيص المرض مختبرياً بالإطلاع على عدد كريات الدم الحمراء بالكامل complete blood count (CBC)، وفصل وتحديد نوع الهيموجلوبين في الدم، ويتم تحديد مستوى الهيموجلوبين الطبيعي وغير الطبيعي أو التشخيص الجزيئي للثلاسيميا .
وتضيف الدكتورة مي رؤوف أن الفحص ما قبل الولادة للجنين prenatal diagnosis ، يتم بواسطة أخذ عينات من الخملات المشيمية خلال الأسابيع من 9-12 للحمل، وكذلك سحب عينة من السائل الذي يملأ المشيمة ويحيط بالجنين أو عن طريق أخذ عينات الخملات المشيمية chorionic villus sampling .
وتشدد على أهمية الفحص ما قبل الزواج الذي من شأنه أن يضع تصوراً واضحاً للنمط الوراثي واحتمالية إصابة الجنين بأمراض الدم الوراثية، وتصبح هذه الفحوص مهمة للغاية حينما يكون هناك تاريخ مرضي بعائلة أحد الزوجين أو كليهما، ويمكن إسداء النصح للوالدين قبل إنجابهما لطفل مصاب بالمرض، والهدف من فحص الجنين هو اكتشاف الحالات التي تحمل الموروثة الجينية المزدوجة أي المصابة بالمرض بصورة كاملة .
وتوضح أن آلية علاج مرضى الثلاسيميا تتم بثلاث طرق، إما بنقل الدم المبرمج، أو إزالة الحديد الزائد من الدم والأنسجة، أما الطريقة الأخيرة فهي استئصال الطحال في بعض الحالات، وتقول إن هناك جديداً في علاج مرض الثلاسيميا مثل نقل وزراعة نخاع العظم، والعلاج الجيني وتطوير أدوية مشابهة للديفرال واستخدام دم الحبل السري .
طرق التعامل مع المريض
وتشير الدكتورة مي رؤوف إلى الأبعاد النفسية والاجتماعية لمواجهة الثلاسيميا، فحين يقرر شخصان الزواج، يبدآن بالتفكير بأن يتحدا ويتعاونا في مواجهة كل أمور حياتهما حلوها ومرها، وغالباً ما يؤدي المرض إلى تقارب أكبر بين الوالدين لمساعدة أحدهما الآخر على التعامل مع الطفل المريض، حيث يحتاج الأهل إلى معرفة وفهم مرض الثلاسيميا، وهم بحاجة إلى الكثير من الدعم والتشجيع لتعلم كيفية التعامل مع المرض على شكل فعال يسبب أقل عدد من المشكلات لطفلهم، ولذلك قد تكون المساعدة لها أثر عميق في النمو النفسي في حياة الطفولة وفي حياة البلوغ .
وتؤكد الدكتورة مي رؤوف على دور الطاقم الطبي المعالج في رعاية أسر المرضى ومساعدتهم في فهم حقيقة المرض، وتشجيع المدرسين وزملاء الطالب المريض على التعامل بصورة طبيعية معه، وهناك عدد من التوصيات لمنظمة الصحة العالمية في إطار التعامل مع مرضى الأمراض الوراثية من حيث الرعاية النفسية للمريض ووضع خطة للعلاج، وإعداد المريض لتقبل حقيقة مرضه بكل وضوح .
احتمالات الإصابة كبيرة
وتقول الدكتورة انتصار الحمادي استشارية طب الأطفال وأمراض الكلى، إن هناك المئات من الأمراض الوراثية الظاهرة في الإمارات ومنها انتشار الأمراض الاستقلابية عند الإماراتيين وأمراض التخزين الليزوزمية، حيث أظهرت أبحاث متخصصة وجود العديد من الأمراض الوراثية مثل أمراض (الاستقلاب الغذائي البيولوجي الوراثية والثلاسيميا ونقص إنزيم البيوتينيديز وتشوهات العمود الفقري وسرطان الثدي وغيرها من الأمراض المنتشرة) .
وتشير الدكتورة انتصار الحمادي إلى أن زواج الأقارب يعد من أهم أسباب انتشار الأمراض الوراثية في الإمارات، حيث إن هناك احتمالية 3% لوجود أمراض مورثة يحملها أحد الزوجين تنتقل إلى الأبناء حتى وإن كانوا من عائلات مختلفة وتزيد نسبة انتقال المرض إلى 5% إذا كان الأزواج أقارب، ومن ثم تزيد نسبة الخطر إلى 25% إذا كان لدى الزوجين معاً جينات تحمل المرض .
وتشير إلى بعض الممارسات الخاطئة التي تتمثل في عدم كشف البعض عن أمراضهم العائلية وهذا ما يقلل من فرصة اتخاذ التدابير الوقائية، إضافة إلى نقص الوعي المجتمعي .
وعن طرق الوقاية من الأمراض الوراثية تقول الدكتورة انتصار الحمادي: إن الفحص قبل الزواج والاختبار الجيني وفحص المواليد تقي بنسبة كبيرة من الأمراض الوراثية، وتؤكد دور المستشارين والمثقفين الأسريين في المجتمع لما يمتلكونه من خبرة وقدرة على إيصال المعلومات والتنبيه على المخاطر للأسر التي يظهر بها مرض أو خلل جيني .
وتوضح: طرق العلاج لبعض الأمراض التي تستجيب إلى العلاج عن طريق نظام غذائي خاص، وبعض الحالات تحتاج إلى استبدال الانزيمات وعلاج الفيتامينات وحالات أخرى تحتاج إلى زرع نخاع العظم وغيرها من العلاجات التي تختلف من مرض إلى آخر حسب شدته وغالباً ما يستمر العلاج مدى الحياة . وتعد تجربة الإمارات في وضع القوانين المتعلقة بالفحص ما قبل الزواج وفحص حديثي الولادة من الأمور التي جنبت المواطنين الكثير من الأمراض الوراثية، إضافة إلى دور وزارة الصحة والهيئات والجمعيات الخيرية التي تعمل على توعية المجتمع بمخاطر الأمراض الوراثية وطرق الوقاية منها .