المال في الحقيقة هو مال الله، والإنسان مستخلف فيه بوصفه خليفة في الأرض، ومن هنا يأمرنا القرآن الكريم بالإنفاق ما جعلنا الله مستخلفين فيه: وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه (الحديد: 7)، فالملكية الأصلية لكل شيء هي لله، وملكية الإنسان للمال لا تعدو أن تكون تفويضاً من الله .
وقد جبل الإنسان على حب المال وامتلاكه . ولا شك في أن الملكية الفردية أو الملكية الخاصة تعد نزعة فطرية مركوزة في الإنسان منذ بدء الخلق، وحب التملك للمال ولغيره من الممتلكات غريزة لدى الإنسان .
ويشمل مفهوم المال كل أنواع التملك، سواء كان مالاً نقدياً أو عقاراً أو أرضا زراعية أو غير ذلك من أشياء أخرى يملكها الإنسان . ويعد المال عصب الحياة، ولا يمكن أن تتقدم حياة الإنسان وتزدهر بدون المال .
وقد حرصت الشريعة الإسلامية على جعل حفظ المال أحد مقاصدها الأساسية لأنه الثروة التي من خلالها يستطيع الإنسان أن يحقق الكثير من الخير لنفسه ولمجتمعه، أي أن المال إذا تم التصرف فيه على نحو سليم يحقق للإنسان مصلحة حقيقية .
والدفاع عن المال الذي يملكه الإنسان دفاع مشروع، بل إن الذي يقتل دفاعاً عن ماله يعد شهيدًا في الإسلام، كما ورد في الحديث الشريف: من قتل دون ماله فهو شهيد لأنه إذ يدافع عن ماله فإنه في الوقت نفسه يدافع عن مال الله ويدافع عن حق المجتمع فيه، فالمال إذا كان ملكية خاصة فإن منفعته عامة . فالمجتمع له حق فيه، والفقراء والمساكين لهم حق فيه كما جاء في قوله تعالى وفي أموالهم حق للسائل والمحروم (الذاريات: 19) . وقوله تعالى أيضاً: والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم (المعارج: 24 25) . ومن واجب المجتمع الحفاظ على هذا المال وحمايته من الاعتداء عليه سواء كان هذا الاعتداء من صاحب المال نفسه بالسفه في إنفاقه وتبذيره في ما لا يفيد وهنا يكون الحجر عليه لازما لصيانة المال من التبديد أو كان الاعتداء عليه من الآخرين عن طريق السرقة أو الغصب أو الاحتيال أو غير ذلك من وسائل الاعتداء .
ويدخل تحت التصرفات المرفوضة في الإسلام اكتناز المال وحجب منفعته عن المجتمع . فصاحب المال مطالب باستثماره لأن في ذلك نماءً للمال من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هذا الاستثمار من شأنه أن يفتح الباب أمام الكثيرين لإيجاد فرص عمل توفر لهم مصدر رزق، ومن ناحية ثالثة ينتفع المجتمع بإقامة المشروعات التي تدفع به إلى التقدم والازدهار .
وقد أشار القرآن الكريم إلى المال بوصفه خيرًا كما جاء في قوله تعالى: وإنه لحب الخير لشديد (العاديات: 8)، كما وصفه في آية أخرى بأنه زينة الحياة الدنيا: المال والبنون زينة الحياة الدنيا (الكهف: 46)، فهو خير، وهو زينة للحياة، وهو ضرورة في الوقت نفسه، ومن أجل ذلك اهتمت الشريعة الإسلامية بالحفاظ على المال وحمايته، لأنها تريد أن تهيئ للإنسان حياة دنيوية آمنة ومزدهرة، وفي الوقت نفسه حياة أخروية ينعم فيها برضا الله . فهذا أمر إلهي وفريضة إسلامية لا تقل شأناً عن بقية الفرائض الإسلامية الأخرى .
والتعمير المشار إليه تعمير على المستويات المادية والعقلية والروحية والأخلاقية والاجتماعية، إنه يعني صنع الحضارة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى .
إن حفظ المال مرتبط بالمسؤولية عن المال، وهذه المسؤولية لا تقتصر على حماية هذا المال فحسب بل تتعدى ذلك إلى المسؤولية عن كسبه وإنفاقه واستثماره، وإعطاء كل ذي حق حقه .
ونظراً لأن الإسلام دين الفطرة فإن تشريعاته لا تصادم الفطرة الإنسانية، ومن هنا يرفض الإسلام نزع ملكيات الأفراد وإلغاء الملكية الفردية، كما يرفض في الوقت نفسه تكدس الثروات في يد طبقة معينة تتحكم بنفوذها وأموالها في مصير المجتمع . . فالإسلام دين الوسطية، وهو إذ يحض من خلال تعاليمه على التعاون والتعاطف بين الناس وإغاثة الملهوف وسد حاجة المحتاج، وتفريج كرب المكروبين، فإنه يغرس بذلك عواطف المحبة بين الناس من أجل قيام مجتمع يسود فيه التكافل الاجتموزير الأوقاف المصري السابق
اعي .