ميت حي أنا، بعد رحيل توأم روحي أمل، صحيح أن البكاء على الميت حرام لكن غصباً عني أبكي، فدموعي تتساقط من دون أن أشعر، أراها في كل ركن في المنزل، أشعر بوجودها قربي أينما كنت . . أسمع صوتها وأكاد أشعر بأنفاسها، يارب أعطني الصبر والسلوان، يا الله أسكنها فسيح جناتك، ماذا افعل سوى الصلاة والدعاء لها، فأنا لن استطيع الاستمرار هكذا، إنني افقد الكثير من وزني، فأنا بالكاد أتذوق الطعام، لا أحد يطبخ مثلها، حتى طعام والدتي لم أعد أحبه، فمن يديها كل شيء كان طيباً، حتى الطعام الذي كانت قد جهزته في الثلاجة لا استطيع أن آكله فهو آخر شيء فعلته قبل أن ترحل عن هذه الدنيا، وكأنها كانت تعلم بأنها ستموت .
أتساءل مراراً وتكرارا لماذا ماتت هي وبقيت أنا حياً، استغفر الله العظيم، ستقولون حرام هذا الكلام وانا اعلم ذلك لكنني لا استوعب ما جرى والشيطان شاطر والأهم إنني أحبها جدا لا بل اعشقها، فقد كانت حلمي وسعادتي، كنت لا أصدق متى أعود إلى المنزل لأراها وأجلس معها، كنت أحب أن اسمع سوالفها الحلوة، كانت الضحكة لا تفارق شفتيها، استقبالها لي عند الباب، وكأنني كنت مسافراً، تحضيرها للمائدة، ترتيب المنزل، رائحته، ديكوره، ملابسها التي لا زالت معلقة كما هي، أحذيتها، حقائبها، عطورها وفرشاة شعرها التي علق بها بعض من شعرها الجميل، كل شيء لا زال في مكانه كما تركته، لا استطيع أن ألمس شيئاً إلا لأتنشق رائحتها من خلاله، مرة رقدت وأنا أفكر فيها، استيقظت صباحا والبسمة على شفتي ظنا مني إنها بقربي، فتحت عيني لم أجدها، بكيت ولم أبارح فراشي طوال النهار، مع إنني لم أذق طعم النوم منذ وفاتها لم أذهب إلى العمل ولا إلى أي مكان آخر، فأنا منذ وفاتها حبست نفسي في المنزل ولم أخرج منه، حتى ابنتي الصغيرة المولودة حديثا لم أراها فهي عند والدتي تهتم بها وتحثني على رؤيتها لكنني لا استطيع أن أذهب وأراها، لن استطيع أن أقود السيارة وأمل ليست موجودة على المقعد بقربي، تنظر إلي وأنا أقود وتبتسم، تتحدث معي تنبهني من السيارات، كنا نصل إلى وجهتنا مهما كانت المسافة بعيدة من دون أن اشعر كيف وصلت، فهي كانت محدثة لبقة، تسلسل الأحداث بطريقة سلسة ومشوقة تجعلك لا تستطيع إلا الاستماع وانتظار لما ستقوله، كانت إنسانة مميزة جدا لا تتكرر، كل شيء فيها يجذبك إليها، عائلتي تحبها بشدة، لديها صديقات كثيرات يعشقنها، كان هاتفها لا يتوقف عن الرنين، ولا اسمعها تقول سوى هلا حبيبتي هلا الغالية، كانت دائما تزورهن ويزرنها، يخبرنها عن مشاكلهن ويطلبن الحل أو المساعدة، كانت نعم الصديقة الصدوقة . . محبوبة من الجميع كانت تسرع إليهن خاصة عندما يمرضن، فتبقى بقربهن حتى يشفين، كان منزلنا دائما ممتلئاً بالنساء حتى والدتي وشقيقاتي كن كل يوم يأتين إلينا لمجالستها، شقيقاتها بكين عندما تزوجتها، فقد كانت هي التي تملأ المنزل فرحا وسعادة، تعبت كثيرا لإقناع والديها بزواجنا فهما كانا متمسكين بها لأقصى درجة، حتى إن والدها قال لي مرة، أنا لا أريدها أن تتزوج فنحن لا نستطيع العيش بدونها، صحيح أن الزواج ستر للفتاة، ونحن لن ندوم لها، لكن أمل بالذات غالية عندنا جدا، بالطبع نحن لا نفرق بينها وبين شقيقاتها لكن، سبحان الله عندما لا تكون في المنزل نجلس وكأننا في عزاء لا سمح الله، وعندما تدخل بكل حيويتها وفرحها، تخبرنا عن يومها وماذا فعلت من مقالب مع زميلاتها ومدرساتها نضحك ونفرح، لم نؤنبها مرة لأننا نعلم أنها متفوقة في دراستها والجميع يحبها، لم نسمع شكوى واحدة عنها بالرغم مما كانت تفعل بهن، لكن الله سبحانه تعالى يحبب خلقه في من يشاء، لذلك كان مهرها مرتفعاً جداً ألا يقولون أن الذي لا يريد أن يزوج ابنته يرفع مهرها كثيراً وهذا ما فعلناه والدتها وأنا، لا تلمنا فنحن بالفعل لا نستطيع الاستغناء عنها ولو لساعات فهي من تهتم بنا بكل شيء، تأخذنا إلى المستشفى في موعدنا تعطينا الدواء، تجهز لنا الطعام الذي يجب أن نأكله والذي هو مسلوق خفيف الملح، تبعدنا عن النشويات والسكر، تزور معنا الأقرباء والأصدقاء، تجلس معنا في المساء تشاهد ما نشاهد حتى لو كانت نشرة الأخبار، تجهز لنا الشاي والقهوة، الفشار الخاص بنا والذي لا يحوي الدهنيات، ماذا أخبرك عنها يا ولدي، فإنسانة مثل أمل ابنتي لا تتكرر، أنت تعرفها جيدا، قلت له أفهمك يا عمي لكنني أقسم لك إنها لن تبتعد عنكما فهي ستزوركما كل يوم وتبقى عندكما طوال النهار لو أرادت، لكن يا عمي أنت تعلم إنني أحبها منذ أن كانت صغيرة وانتظرتها لتكبر وتصبح في سن مناسبة للزواج فتأتي الآن وتكسر مجاديفي . أرجوك يا عمي لا تقل لا، ثم إنها يجب أن تكمل نصف دينها، وتنجب لك الأحفاد الذين سيشبهونها، أوقفني بحركة من يده قائلاً لا تكمل يا أحمد فلا أحد يشبهها، ابتسمت ثم أجبته أنت مصيب في كلامك لكن أولادها سيكونون قطعة منها وصدقني سوف تحبهم بإذن الله كما تحبها ومن يدري من الممكن أن تحبهم أكثر منها فهم سيكونون أولاد الغالية، وسيبقون عندكم دائما تلاعبهم وتهتم بهم، ها يا عمي أرجوك إنها المرة المائة التي أطلب بها يدها وأنت ترفض ذلك ثم إنني انتظر منذ زمن، لم افقد يوما الأمل في أن توافق، وها هي ما شاء الله قد أصبحت في الخامسة والعشرين وأنت لا تزال ترفض عشرة أعوام يا عمي ذهبت سدى من حياتها دون أن أكون معها، اقبل رأسك ويديك أن توافق، كانت أمل تحب أحمد مثلما يحبها، وعندما كان يضغط عليها لتحاول أن تقنع والدها بأمر زواجهما، كانت تقول له أبدا مستحيل أن أكلمه في هذا الموضوع، هو الآمر الناهي وأنا لن أرفض له طلبا أو أكسر كلمته حتى لو أصبحت عانساً، وكان أحمد يحزن ويغضب، ووالدته تكلمه بأن يتزوج غيرها لأن عمه يقولها علنا أنا لا أريد أن أزوج ابنتي، فإلى متى ستنتظر لقد أصبحت في الثلاثين من عمرك وأنت لا تزال في انتظار موافقته، ألا يوجد فتيات غيرها، أنا سأزوجك واحدة أجمل وأحسن منها، كنت أثور وأقول لن أتزوج بغيرها افهميني يا أمي فنحن نحب بعضنا بعضاً جداً، وان لم تتزوجني فلن أتزوج أبدا، كانت والدته تحزن على وضعه وتتمنى لو أن زوجها كان لا يزال على قيد الحياة فهو الكبير وكلمته كانت مسموعة عند كل أشقائه، وهي لا كلمة لها ماذا ستقول له ستزوج ابنتك إلى ابني بالقوة؟ صحيح أنها كانت تحب أمل جدا وتعتبرها واحدة من بناتها لكن وضع ابنها كان يسوء فأشقاؤه الذين يصغرونه سنا قد تزوجوا وأنجبوا وهو لا يزال ينتظر أمل حياته إلى أن جاء يوم وأرسل عمه بطلبه، فأتى إليه على وجه السرعة، ضارباً عرض الحائط اجتماعاته المهمة، لكنه شعر بأنه سيسمع الخبر الذي لطالما انتظره، وكان إحساسه في مكانه حيث قال له عمه، يا بني أنا موافق على زواجك من غاليتي، حبيبة قلبي وعمري أمل، ماذا افعل فهي أيضا تريدك وتحبك، ولن أقف في وجه حبكما أكثر، لكن إن رأيت يوما نظرة حزن في عينيها وكنت أنت السبب فسوف تندم صدقني، ستكون أمانة في رقبتك، عاملها بما يرضي الله، وانا متأكد من حبك لها واهتمامك بها وخوفك عليها، بالمبارك يا ولدي . . سبعة أيام بلياليهم كان فرحهما، فقد أقام لها والدها زفافا لم يحصل مثله من قبل ولن يكون مثله من بعد، صرف الكثير حتى يكون زفافها لا ينسى، كان أحمد في قمة السعادة، لا يصدق بأن أمل أصبحت زوجته على سنة الله ورسوله، واليوم سوف ينام بقربها ويحضنها يتنشق رائحة جلدها ويضع يده على شعرها .
لم ينم تلك الليلة من فرحته بها، كان جالسا قربها يداعب خصل شعرها وينظر إليها وهي تغط في سبات عميق، في اليوم الثاني أخذها في رحلة طويلة دامت أكثر من شهر، لم يدع بلدا إلا وزاراه لكنه لم ير شيئا من تلك الأماكن لأن نظره كان دائما عليها، كان لا يصدق إنها معه ليل نهار، إنها بقربه ومعه في كل شيء يستيقظ فيجدها قربه، يخرج معها يتناول الطعام معها، إن شبعت شبع وان جاعت جاع، إن شعرت بالنعاس يحملها إلى الفراش وينام قربها، كان يدللها جدا، ويبتاع لها كل ما تقع عينها عليه، وعندما عادا من رحلة شهر العسل تحت إصرار والدها بالعودة، حزن لأن هناك من سوف يشاركه الكثير من حبها، أما هنا فهي له وحده، كان أنانياً في حبه، ولو لم يقسم لعمه بأنه لن يبعدها عنهما لكان لا يدعها تغيب عن ناظريه دقيقة واحدة، عادا وتوجهت أمل فورا إلى منزل أهلها اللذين أخذاها بالأحضان وخاصة والدها الذي نحف وتعب عندما سافرت، وهي عندما رأته هكذا تفاجأت وقالت له لم أنت نحيف هكذا يا والدي ألا تعطيك الممرضة دواءك بانتظام، قال بلى مسكينة هي تهتم بنا جيدا أنا ووالدتك، لكن سبحان الله أنت غير، قبلته على رأسه قائلة الآن عدت يا الغالي ولن أتركك أبدا، وبالفعل عادت صحته كالأول ووالدتها أيضا، فقد كانت تأتي إليهما حال خروج زوجها إلى العمل لتبقى قربهما، كانت تجهز طعام الغداء لليوم التالي في المساء هكذا عندما تعود ويحين موعد طعامه يكون كل شيء جاهزاً حتى إن تأخرت عند والديها لا تحتار ماذا تفعل أو تضطر إلى الطلب من المطعم فهي لا تحبه أن يأكل من المطاعم، كانت تحبه وتحترمه جدا، وقد زاد حبها له بعد أن لمست طيبته وأخلاقه الحميدة، احترامه لها، معاملته الرائعة، اهتمامه الكبير وحبه القوي لها، كانت لا تقصر أبدا بواجباته تجاهه، فهو عدا عن كل ما ذكرته آنفاً حبيب الماضي وزوج الحاضر والمستقبل، كانت نعم الزوجة والابنة، وكانت ستصبح أما حنوناً في المستقبل، نعم إنها حامل! صرخ أحمد عند وصوله إلى منزل أهلها، فرح والداها جداً بهذا الخبر حتى أن والدها دمعت عيناه، احتضنها قائلاً يا حبيبتي الصغيرة ستصبحين أما؟ أجابت وهي تمثل الحزن نعم، قال ولماذا تقولينها، هكذا وكأنك لست سعيدة؟ أجابته لأنني أخاف أن تحبوا الطفل أكثر مني، ويصبح محط اهتمامكم وتنسونني، ضحكوا وقالوا أيتها الغيورة لن نحب أحداً مثلك حتى لو كان ابنك أو ابنتك لا تخافي، كانت فرحة أحمد كبيرة بالجنين الذي تحمله حبيبة قلبه في أحشائها فهو ثمرة حبهما، سبحانك ربي إنها معجزة من معجزاتك الكثيرة هي روح داخل روح . هذا الجنين الذي يحمل دمي ودمها، جيناتي وجيناتها يجمع كل ما نملكه أنا وهي لتضعه في هذا المخلوق، فبمجرد التفكير بهذا الشيء يجعل بدني يقشعر، كان يضحك من الذين يقولون بنت أم ولد كم هم سخفاء فالاثنان منهما، والمهم أن يكون الجنين بصحة جيدة من دون أمراض أو تشوهات، مرت الأشهر التسعة على أمل كانت خلالها قمة في السعادة تجهز للمولودة الجديدة التي علمت إنها ستكون فتاة صبغا غرفتها باللون الزهري وابتاعا السرير والألعاب والملابس كان كل شيء جاهزاً لاستقبالها كانت تدخل مع زوجها وهما متعانقين وينظران إلى الغرفة الفارغة وتقول له تخيل عندما تصبح هنا معنا نلمسها ونحملها نطعمها ونحميها، أكاد أتنشق رائحتها الرائعة منذ الآن، فكان يضع يده على بطنها ويناديها قائلا بابا هيا تعالي نحن نتحرق شوقا لرؤيتك، كان يقول لأمل أتمنى أن تشبهك حتى إن غبت عني لدقائق أراك من خلالها فترد وتقول ليتني استطيع أن أقول لك الشيء نفسه لكنني لا أتمنى أبدا أن تشبهك فهي لن تتزوج على الإطلاق، كانا يضحكان ويقبلان بعضهما بعضاً بحنان . . تضع رأسها على كتفه ويجلسان على الكنبة وهما في غاية السعادة، وفي ذلك المساء، استيقظت أمل على ألم فظيع في بطنها أيقظت أحمد وقالت هيا قم يا حبيبي يبدو أن المخاض قد بدأ، أخذ يجري في الغرفة كالمجنون دون أن يفعل شيئا كان يدور في مكانه إلى أن صرخت، أحمد ما بك؟ ارتد ملابسك وأحمل شنطة الملابس وخذ مفتاح السيارة، قال: حسنا لا تخافي أنا مسيطر على الوضع تماماً، فعل ما قالته له ليجدها تضحك فسألها لماذا تضحكين؟ قالت انك ترتدي الكندورة بالعكس فقام بتعديلها وأسرع بالنزول على السلم وهي مسكينة تمسك بطنها بيدها وتستند على اليد الأخرى كي لا تقع، فعاد مسرعاً ليمسكها وهي تضحك وتقول له جيد انك لم تذهب بدوني، قال آسف حبيبتي فأنا ضعت، لا بأس قل بسم الله ولا تقد السيارة بسرعة فأنا سألد فقط ولست مريضة، لذلك يجب أن تسيطر على أعصابك فأنت توترني، هكذا قال حسناً معك حق يا حبيبتي، لكنه انطلق بالسيارة وكأنه مشتركاً في سباق، فأخذت تصرخ وتقول يا أحمد خفف السرعة ما بك ؟ قال أنت تئنين من الألم قالت لا بأس انه الطلق الذي يأتي كل خمس دقائق ثم يهدأ لكنها شعرت بأن الماء قد نزل منها فقالت يا الله لقد ساحت ماء الرأس وهنا كانت الكارثة حيث نظر إليها ليستطلع الأمر وهو لا يزال مسرعا جدا فصرخت بقوة أحمد، أنظر أمامك . لم يستفق إلا وهي في المستشفى والجميع هناك، قفز من سريره وهو يصرخ أمل أين زوجتي، أمسكته والدته من يده قائلة لا تتحرك يا ولدي الآن سيأتي الطبيب ويطمئننا عليها بإذن الله، فهي في غرفة الولادة، أصر على أن يذهب إلى هناك فأمسكه شقيقه وذهبت والدته تنادي الطبيب الذي أتى إليه وطلب منهم أن يتركوه وحده معه، طلب من الممرضة أن تحقنه بإبرة مهدئة، غاص قلبه بين ضلوعه، شعر بأن شيئاً سيئاً قد حصل، اعتقد أن ابنته قد توفيت إثر الحادث فقال بتردد وخوف هل ابنتي بخير أم لا قال الطبيب إنها فتاة جميلة جداً ما شاء الله عليها، قال الحمد لله وزوجتي يا دكتور هل هي بخير، هل كانت ولادتها طبيعية أم قيصرية، هل تعذبت؟ قال بعد صمت أنت يا أحمد إنسان مؤمن أليس كذلك؟ وأنت تعلم أن كل شيء مقدر ومكتوب وإنها مشيئة الله هو من يعطي وهو من يأخذ، قال له ماذا تعني أخبرني أجابه البقاء لله شد حيلك الله يرحمها ويسكنها فسيح جناته، لم يستوعب أحمد ما قاله الطبيب فبقي صامتاً ينظر إليه والدموع تتساقط من طرف عينيه الجاحظتين، فقال: أحمد هل أنت بخير، فلم يجبه أخذ يهزه لكنه لم يتجاوب معه، رن الجرس لتسرع الممرضات إلى الغرفة والطبيب فوقه يقيس ضغطه ودقات قلبه التي كانت خفيفة جدا ثم اختفت عن الشاشة تماما أسرع الطبيب بشحن الجهاز وأجرى له صعقا كهربائيا ليعيد قلبه إلى العمل كررها عدة مرات قبل أن يعود قلبه ويطرق من جديد، نقلوه إلى غرفة الإنعاش وبقي هناك أسبوعاً كاملاً وهو غائب عن الوعي تماماً، حيث لم يستطع عقله ولا قلبه تحمل ما سمع، صحيح انه استفاق من الغيبوبة وخرج من المستشفى لكنه يعيش كما أخبرتكم على الأطلال يلوم نفسه ومقتنع بأنه السبب في وفاتها، لم ير ابنته بعد، يعيش في عزلة تامة في المنزل الذي جمعه بتوأم روحه، يناجيها ويناديها يا حبيبتي، أين رحلت وتركتني أموت كل يوم مئة مرة، حياتي عذاب من دونك، لمن أعيش، لمن أحيا؟ يا حبي الغالي أنت ساكنة في بالي، في عقلي في خيالي، سأعيش دوماً على ذكراك حتى يفتكر الله أمانته ويجمعني بك، وجلس يسمع أغنية الجسمي: فقدتك يا أعز الناس، ويبكي مع انه يعلم أن البكاء على الميت حرام لكن حالته النفسية والألم الفظيع الذي يشعر به في قلبه الآن لا يسمحان له بالتفكير السليم، لكن الأيام سوف تكون أفضل علاج له، فلندع الله أن يعطيه الصبر والسلوان ويعيد عقله إليه كي يعود لابنته ويضمها تحت جناحيه كي يربيها ويكون بقربها حتى لا تكون يتيمة الأم والأب معا .