نتوقف في هذا اليوم مع الساعات واللحظات الأخيرة في حياة شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه، سفيان الثوري، مصنف كتاب (الجامع)، المشهور بالورع والزهد وتعظيم الله عز وجل، فقد كانت مجالسه ربانية تملأها السكينة والوعظ والتذكير بالآخرة، وكان الثوري معروفًا بكثرة بكائه وخوفه الشديد من يوم الحساب حتى أنه مرض يومًا فلما رأى الطبيب بوله قال: هذا بول رجل قد احترق جوفه من شدة الخوف والحزن، حتى قال أصحابه: كأن النار لم تخلق لأحد سواه، وعندما مرض سفيان الثوري مرض الموت وطالت علته، سمع يعاني شدة وصعوبة سكرات الموت.
يقول الدكتور سيد بن حسين العفاني في كتابه «أحوال الطيبين الصالحين عند الموت»: «لما احتضر سفيان الثوري جعل يبكى، فقيل له: يا أبا عبدالله، عليك بالرجاء؛ فإن عفو الله أعظم من ذنوبك، فقال: أو علی ذنوبي أبكي؟! لو علمت أني أموت على التوحيد لم أبال بأن ألقى الله بأمثال الجبال من الخطايا». وعن عبدالرحمن بن مهدي قال: «مات سفيان الثوري عندي، فلما اشتد به جعل يبكي، فقال له رجل: يا أبا عبدالله، أراك كثير الذنوب؟ فرفع شيئا من الأرض، فقال: والله لذنوبي أهون عندي من ذا، إني أخاف أن أسلب الإيمان عند الموت. وكان - رحمه الله- يقول: بكينا على الذنوب زمانا ونحن الآن نبكي على الإسلام».
يقول الدكتور سيد بن حسين العفاني في كتابه «أحوال الطيبين الصالحين عند الموت»: «لما احتضر سفيان الثوري جعل يبكى، فقيل له: يا أبا عبدالله، عليك بالرجاء؛ فإن عفو الله أعظم من ذنوبك، فقال: أو علی ذنوبي أبكي؟! لو علمت أني أموت على التوحيد لم أبال بأن ألقى الله بأمثال الجبال من الخطايا». وعن عبدالرحمن بن مهدي قال: «مات سفيان الثوري عندي، فلما اشتد به جعل يبكي، فقال له رجل: يا أبا عبدالله، أراك كثير الذنوب؟ فرفع شيئا من الأرض، فقال: والله لذنوبي أهون عندي من ذا، إني أخاف أن أسلب الإيمان عند الموت. وكان - رحمه الله- يقول: بكينا على الذنوب زمانا ونحن الآن نبكي على الإسلام».
«ما أشد الموت»
وعن عبدالرحمن بن مهدي، قال: «مرض سفيان بالبطن، فتوضأ تلك الليلة ستين مرة، حتى إذا عاين الأمر، نزل عن فراشه، فوضع خده بالأرض، وقال: يا عبدالرحمن! ما أشد الموت، ولما مات غمضته، وجاء الناس في جوف الليل، وعلموا. وقال عبدالرحمن: كان سفيان يتمنى الموت ليسلم من هؤلاء، فلما مرض كرهه، وقال لي: اقرأ علي (يس) فإنه يقال: يخفف عن المريض، فقرأت». وقيل: «أخرج بجنازته على أهل البصرة بغتة. فشهده الخلق، وصلّى عليه عبدالرحمن بن عبدالملك بن أبجر الكوفي، بوصية من سفيان لصلاحه».
وقال قبيصة: «ما جلست مع سفيان مجلساً إلا ذكرت الموت، ما رأيت أحداً كان أكثر ذكراً للموت منه». وقال أبو نعيم: «كان سفيان إذا ذكر الموت لم يُنتفع به أياماً، فإذا سئل عن الشيء يقول: لا أدري لا أدري».
وقال أبو أسامة «كنت بالبصرة حین مات سفیان الثوري، فلقیت یزید بن إبراهيم التستري، فقال لي: قيل لي في منامي: الليلة مات أمير المؤمنين. فقلت للذي يقول في المنام: أمات سفيان الثوري؟ فقلت له: قد مات الليلة. وقد كان مات تلك الليلة ولم يكن علمه. وقال عبدالله بن شیرزاذ الواسطي: كنت بعبادان فرأیت رجلا جيء به في ثياب بيض قد مات فوضع في سفينة، فقلت: من هذا الذي قد مات على السنة ونجا وصار في الآخرة؟ فلما ارتفع النهار جاء الخبر أن سفيان الثوري مات في تلك الليلة».
مع الكرام البررة
وقال إبراهيم بن أعین البجلي، وكان من خیار الناس قال: رأیت سفيان الثوري في المنام، فقلت: له يا أبا عبدالله ما صنعت فديتك؟ قال: «أنا مع السفرة، قلت: وما السفرة؟ قال: الكرام البررة. وعن ابن عيينة قال: رأيت سفيان الثوري في النوم، وقد مات كأنه يطير في الجنة من شجرة إلى نخلة ومن نخلة إلى شجرة، وهو يقول: (لمثل هذا فليعمل العاملون)، فقلت له: بم أدخلت الجنة؟ قال: بالورع بالورع».
ويذكر أبو نعيم الأصبهاني في كتاب «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء»، عن ابن أبجر قال: «لما حضرت سفيان الوفاة قال: يا ابن أبجر قد نزل بي ما تري فانظر من يحضرني فأتيته بقوم فيهم حماد بن سلمة، وكان حماد من أقربهم إلى رأسه، فتنفس، فقال له حماد: أبشر فقد نجوت مما كنت تخاف، وتقدم على رب غفور، فقال: يا أبا سلمة، أترى الله يغفر لمثلي؟ قال: أي والذي لا إله إلا هو. قال: فكأنما سري عنه».
«مرحباً برسول ربي»
وقال ابن مهدي: ضج سفيان لما طالت علته، فقال: يا موت.. يا موت. ثم قال: لا أتمناه، ولا أدعو به. فلما احتضر بكى وجزع، فقلت له: يا أبا عبدالله، ما هذا البكاء؟! قال: يا عبدالرحمن، لشدة ما نزل بي من الموت، الموت والله شديد، فمسسته، فإذا هو يقول: روح المؤمن تخرج رشحاً، فأنا أرجو. ثم قال: الله ارحم من الوالدة الشفيقة الرقيقة، إنه جواد كريم، وجعل يقول: أوه.. أوه من الموت، ثم قال: مرحبا برسول ربي، ثم أغمي عليه، ثم أسكت، ثم أغمي عليه، فظننت أنه قد قضى، ثم أفاق، فقال: يا عبدالرحمن، اذهب إلى حماد بن سلمة فادعه لي، فإني أحب أن يحضرني، وقال: لقني قول: لا إله إلا الله. فجعلت ألقنه.
قال: وجاء حماد مسرعاً حافياً، ما عليه إلا إزار، فدخل وقد أغمي، فقبل بين عينيه، وقال: بارك الله فيك يا أبا عبدالله. ففتح عينيه ثم قال: أي أخي مرحبا. ثم قال: يا حماد خذ حذرك، واحذر هذا المصرع.
وقال عبدالرحمن بن مهدي - رحمه الله: «رأيت سفيان الثوري في المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: لم يكن إلا وضعت في اللحد حتى وقفت بين يدي الله عز وجل فحاسبني حساباً يسيراً، ثم أمر بي إلى الجنة.
فبينا أنا أدور بين أشجارها وأنهارها، ولا أسمع حساً ولا حركة، إذ سمعت قائلاً يقول: سفيان بن سعيد، يعني الثوري. قال: تحفظ أنك آثرت الله على هواك يوماً؟ قلت: إي والله. فأخذتني صواني النثار من جميع الجنة».